الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٩والذنب فيه أعظم منه في غيره، وكما يقال: إنَّ الحَرَمَ أفضل من الحلِّ لأنه يتأدَّى فيه من المناسك ما لا يتأدَّى في غيره، والصلاة فيه تكون كصلاة مضاعفة ممَّا تقام في غيره.
قال الحسن البصري: "إنَّ الله أودع علوم الكتب السالفة في القرآن، ثمَّ أودع علوم القرآن في الفاتحة، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزلة"، أخرجه البيهقي.
وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرَّره الزمخشريُّ باشتمالها على الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وعلى التعبُّد بالأمر والنهي وعلى الوعد والوعيد، وآيات القرآن لا تخلو عن هذه الأمور.
وقال الإمام فخر الدين: المقصود من القرآن كلِّه تقرير أربعة أمور: الإلهيات والمعاد والنبوَّات وإثبات القضاء والقدر. فقوله تعالى: ﴿اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ ما يدلُّ على الإلهيَّات، وقوله ﴿مَلِكِ يَومِ اِلدِّينِ﴾ يدلُّ على المعاد، وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يدلُّ على نفي الجبر وعلى إثبات أنَّ الكلَّ بقضاء الله وقدره، وقوله: ﴿اهْدِنَا اَلصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة يدلُّ على إثبات قضاء الله وعلى النبوَّات، فلمَّا كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة وهذه السورة مشتملة عليها سمِّيت أمَّ القرآن.
قال شيخنا: قلت: ولا تنافي أيضا بين كون الفاتحة أعظم السور وبين الحديث الآخر: "البقرة أعظم السور"؛ لأنَّ المراد به ما عدا الفاتحة من السور التي فصِّلت فيها الأحكام، وضربت الأمثال، وأقيمت الحجج، إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه؛ ولذلك سميت: "فسطاط القرآن". قال ابن العربي في أحكامه: سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر. ولعظيم فقهها أقام ابن عمر ثمان سنين على تعلُّمها، أخرجه مالك في الموطَّأ. قال ابن العربي أيضا: وإنَّما صارت آية الكرسيِّ أعظم الآيات لعظم مقتضاها، فإنَّ الشيء إنَّما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلَّقاته، وهي في آي القرآن كسورة الإخلاص في سوره، إلاَّ أنَّ سورة الإخلاص تفضلها بوجهين: