الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٠٠أحدهما: أنها سورة وهذه آية، والسورة أعظم؛ لأنه وقع التحدِّي بها، فهي أفضل من الآية التي لم يتحدَّ بها.
والثاني: أنَّ سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمسة عشر حرفا، وآية الكرسي اقتضت التوحيد في خمسين حرفا، فظهرت القدرة في الإعجاز بوضع معنى معبَّر عنه بخمسين حرفا ثمَّ يعبَّر عنه بخمسة عشر حرفا، وذلك بيان لعظيم القدرة والانفراد بالوحدانيَّة.
قال الغزالي: إنَّما قال صلى الله عليه وسلم: في الفاتحة أفضل وفي آية الكرسي سيِّدة لِسِرٍّ، وهو أنَّ الجامع بين فنون الفضل وأنواعها الكثيرة يسمَّى أفضل، فإنَّ الفضل هو الزيادة، والأفضل الأزيد، وأمَّا السؤدد فهو رسوخ معنى الشرف الذي يقتضي الاستتباع ويأبى التبعيَّة، والفاتحة تتضمَّن التنبيه على معان كثير، ومعارف مختلفة فكانت أفضل، وآية الكرسي تشتمل على المعرفة العظمى التي هي المقصودة المتبوعة التي تتبعها سائر المعارف، فكان اسم السيِّد بها أليق.
قال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السلام: القرآن على قسمين: فاضل وهو كلام الله في الله، ومفضول وهو كلام غيره عن غيره، كقوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنِ اِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، وكحكايته عن الكفَّار ونحو ذلك.
قال شيخنا: بل هو ثلاثة أقسام: أفضل وفاضل ومفضول؛ لأنَّ كلامه تعالى فيه ومنه أفضل من بعض كتفضيل الفاتحة والإخلاص، انتهى.
تنبيه: قال شيخنا: ذكر كثيرون في أثر: أن الله جمع علوم الأوَّلين والآخرين في الكتب الأربعة، وعلومها في القرآن، وعلومه في الفاتحة، فزادوا: وعلوم الفاتحة في البسملة، وعلوم البسملة في بائها. ووُجِّه بأنَّ المقصود من كلِّ العلوم وصول العبد إلى الربِّ، وهذه الباء باء الإلصاق، فهي تلصق العبد بجانب الربِّ، وذلك كمال المقصود، ذكره الإمام الرازي وابن النقيب في تفسيريهما، وقالا في حديث: "أفضل القرآن سورة البقرة، وأعظم آية فيه آية الكرسي" ما نصه: قال شيخنا: قال البيضاوي: إنَّما كان أعظم آية لأنها مشتملة على أمَّهات المسائل الإلهيَّة فإنَّها دالَّة على أنَّه تعالى واحد في الإلهية،