حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٠٣

لكنَّ ظاهرَ كلامه رحمه الله أنَّ الكاذب على الله الذي يحكم عليه بكفر النفاق دون الشرك إنما هو المتأوِّل المخطئ في تأويله كسائر الفرق، وأمَّا من زعم أنَّ الله أرسل رسولا وهو يعلم أنه لم يرسله، وأنزل كتابا وهو يعلم أنه لم ينزله، أو زاد في القرآن شيئا من غير تأويل، مع علمه بأنه كاذب في ذلك، فالظاهر أنه مشرك أيضا؛ ولذلك سوَّى ابن عبَّاس رضي الله عنه بينهما في الكفر، وجزم العلقميُّ بذلك فيما تقدَّم، والله أعلم.

وربما يدلُّ على ذلك قول الشيخ إسماعيل رحمه الله: وأمَّا المخطئ في صفة النبيء أو الملَك فهو عند أصحابنا مشرك على كلِّ حال؛ لأنه أثبت النبوءة لغير نبيء، وأزالها عن النبيء، وجعل غير الملَك ملَكا بقوله ذلك؛ فعلى هذا يكون معنى قول صاحب العقيدة: فالكاذب على الله من قال: إنَّ الله أنزل كتابا وهو لم ينزله، أو أرسل رسولا وهو لم يرسله، أنَّه قال ذلك بالتأويل من غير قصد إلى الكذب، كمن يقول بنبوءة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإنَّ الظاهر من قال ذلك ـ قبَّحه الله ـ يعتقد أنَّهما أنبياء في زمانه صلى الله عليه وسلم لا بعده، وإلاَّ كان مشركا بردِّه النصَّ في قوله: ﴿وَخَاتِمَ النَّبِيئِينَ﴾ [الأحزاب: 40]. ولعلَّه استند في القول بنبوءتهما إلى ما صدر منهما بطريق الفيض الإلهيِّ، واعتقد أنَّ ذلك رسالة وأخطأ في ذلك فصار منافقا، والله أعلم. ثمَّ رأيت بعد ذلك في شرح النونيَّة التصريح بالمسألة، والخلاف فيها بين أصحابنا حيث قال: مسالة: قال أبو الربيع سليمان بن يخلف في كتابه: من أثبت النبوءة لغير نبيء، أو الرسالة لغير رسول فقد أشرك بالله. وقول مشايخنا فيما وجدت في الأثر عنهم: إنَّ من أثبت النبوءة لغير نبيء أو الرسالة لغير رسول أنه كاذب على الله منافق بقوله ذلك؛ لأنه لم يدفع شيئا من كتاب الله ولا رسولا، إلى أن قال: وكذلك من زعم أنَّ أبا بكر وعمر رحمة الله عليهما رسولان على هذا القياس … الخ. أقول: ويمكن الجمع بين ما ذكره أبو الربيع وبين ما وُجِد في الأثر عن مشايخنا بأن يحمل ما ذكره أبو الربيع على من أثبت ذلك من غير تأويل، وما وُجد في الأثر على من أثبت ذلك بالتأويل، كما تقدَّم التنبيه عليه فلا منافاة، والله أعلم.

١٬٥٢٤ / ١٬٩٦٦