حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣١٠

ويؤيِّده أيضا قول الملكين: "ما تقول في هذا الرجل محمَّد"؟ وحديث عائشة: "وأمَّا فتنة القبر فبي تفتنون وعنِّي تسألون". وجنح ابن القيم إلى الثاني، إلى أن قال: قال: والذي يظهر أنَّ كلَّ نبيء مع أمَّته كذلك، فتعذَّب كفَّارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجَّة عليهم كما يعذَّبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجَّة. وحكَى في مساءلة الأطفال احتمالا، والظاهر أنَّ ذلك لا يمتنع في حقِّ المميِّز دون غيره.

وفيه ذمُّ التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال: "كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلته".

وفيه أنَّ الميِّت يحيى في قبره للمساءلة خلافا لمن ردَّه، واحتجَّ بقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَآ أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ … ﴾ [غافر: 11] الآية، قالوا: فلو كان يحيى في قبره للزم أن يحيى ثلاث مرَّات، وهو خلاف النصِّ، والجواب: أنَّ المراد بالحياة في القبر للمساءلة ليست الحياة المستقرَّة المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرُّفه، ويحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرَّد إعادة لفائدة الامتحان الذي وردت به الأحاديث الصحيحة، فهي إعادة عارضة كما يحيى خلق كثير على يد الأنبياء لمساءلتهم لهم عن أشياء، ثمَّ عادوا موتى … الخ.

قوله: ««لَوْ نَجَا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ أَحَدٌ لَنَجَا مِنْهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ … » الخ: ذكر في الجامع روايتين:

إحداهما: «إنَّ للقبر ضغطة، لو كان أحد ناجيا منها نجا منها سعد بن معاذ».

والثانية: «لو نجا أحد من ضمَّة القبر لنجا سعد بن معاذ، ولقد ضُمَّ ضمَّة ثمَّ روخي عنه».

فهاتان الروايتان تدلاَّن على أنَّ المراد بعذاب القبر الذي لا ينجو منه أحد الضمَّة التي تحصل للإنسان في القبر عند نزوله فيه، وليس المراد دوام ذلك ولا غيره من أنواع العذاب للمسلم - أجارنا الله من ذلك - وإلاَّ لم يكن للاستعاذة

١٬٥٣١ / ١٬٩٦٦