الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٠على الله منه فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا إليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيبُ محَمَّدًا إلى رَبٍّ لا أراه ولا أعرفه! فانصرفوا، وقالوا: يا رسول الله، ما زادنا على مقالته الأولى، وأخبث، فقال: ارجعوا إليه، فرجعوا فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه وهو يقول في هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة وكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت ورمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس، فجاءوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلهم قوم من الصحابة فقالوا لهم: أَحترق صاحبكم؟ فقالوا: من أين علمتم؟ فقالوا: أوحي إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَّشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ … ﴾ الخ. وذكر البيضاويُّ في سبب نزول هذه الاية وجها آخرحيث قال في قوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾: حيث يكذِّبون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يصفه به من كمال العلم والتفرُّد بالألوهيَّة وإعادة الناس ومجازاتهم. والجدالُ: التشديد في الخصومة، من الجدل وهو الفتل. والواو إِمَّا لعطف الجملة أو الحال.
فَإِنَّهُ روي أنَّ عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة ـ أخا لبيد ـ وفدَا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاصدين لقتله، فأخذه عامر بالمجادلة، ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف، فتنبَّه له الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: اللَّهُمَّ اكفنيهما بما شئت، فأرسل الله تعالى على أربد صاعقة فقتلته، ورمى عامر بغدة فمات في بيت سلولية، وكان يقول: غدَّة كغدة البعير وموت في بيت سلوليَّة فنزلت.
قوله: «وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ»: يعني شديد العقاب، هذا قول أبي عبيد. وقال عليٌّ: شديد الأخذ. وقال ابن عباس: شديد الحول. وقال الحسن: شديد الحقد. وقال مجاهد: شديد القُوَّة. وقيل: شديد المكر. والمحال والمماحلة: المماكرة والمغالبة، قاله البغويُّ. وقال البيضاويُّ: المحال: المماحلة والمكايدة لأعدائه، من محل فلان بفلان إذا كاده وعرَّضه للهلاك، ومنه تمحَّل إذا تكلَّف استعمال الحيلة ولعلَّ أصله المحل بمعنى القحط، وَقِيلَ: فعال من المحل بمعنى القُوَّة … الخ.