الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٢ومنها: “تفكَّروا في آلاء الله ولا تفكَّروا في الله”. ومنها: “تفكَّروا في خلق الله ولا تفكَّروا في الله”. ولم يكتب الشارح على هذه الروايات شيئا، ولكن كتب الشيخ إسماعيل رحمه الله في شرح النونيَّة في هذا ما فيه الكفاية، حيث قال في شرح قوله:
فَكُلُّ الذي أضحى على البال سانحا ****فذلك غير الله فانف عن الذهن
بعد كلام طويل ما نصُّه: “فصل: فَكُلُّ ما تخيَّل في وهمك أو تكيَّف في عقلك أو تمثَّل في نفسك أوتلوَّن في فكرك فاعلم أنَّ الله سبحانه وصفاته بخلاف ذلك، فَإِنَّهُ لا يدرك ببصر ولا بصيرة، لأَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لا يشبه المخلوقات في شيء من الصفات، ولا يوصف بالسكون ولا الحركات. فَكُلُّ حادثة في الوجود لا تخلو من ثلاث تقييدات: الجنس والزمان والمكان، فهذه التقييدات هي منتهى العقول لا تتعدَّاه، وهو العجز عن التكييف، ليس للعقول وراء ذلك مجال تجول فيه إِلاَّ غموض الوَحْدَانِيَّة وصفات الرُّبُوبِيَّة، لا يطَّلع على ذلك إِلاَّ الجَبَّار الأعظم، لا شريك له، ليس البصر والبصيرة له بلاحظات، ولا الأوهام له بلاحقات، ولا العقول له بمكيِّفات، ولا النفوس له بممثِّلات، ولا الأفكار له بالمخيِّلات، ولا الأذهان له بمدركات، ولا الألسن له بواصفات بجميع ما لا يليق به من الصفات، ولا الآذان له بسامعات، ولا الفوقيَّات له برافعات، ولا التحتيَّات بواضعات، ولا السماوات له بكانفات، ولا فوقيَّات العرش له بمجاورات، ولا تحتيَّات الثرى له بمقابلات، ولا جوانب الحوادث له بمحاذيات، ولا الأعراض له بمحرِّكات، ولا الجواهر له بمجانسات، بل هو الرفيع الدرجات عن جميع المحدثات، حيٌّ قيُّوم في الأرض والسماوات، ﴿ذَالِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: 64].
قوله: «من زعم أنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ فقد أعظم على الله الفرية»: أي الكذب، قد تَقَدَّمَ الكلام عليه في ذكر الشرك والكفر، وكيف يجمع بينهما وبين ابن عبَّاس رضي الله عنهما في الولاية مع قوله: “إنَّ محَمَّدًا رأى رَبَّهُ بعين رأسه”. وَتَقَدَّمَ أنَّ مراده بذلك أَنَّهُ علمه بتميُّز واستدلال من عقل، وأنَّ الأطبَّاء تزعم أنَّ العقل في الرأس.