حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣٢٥

وقد اختلف العلماء في المراد بالغيب فيها، فقيل: هو على عمومه، وَقِيلَ: ما يَتَعلَّقُ بالوحي خَاصَّةً، وَقِيلَ: ما يَتَعلَّقُ بعلم الساعة، وهو ضعيف، لِمَا تَقَدَّمَ في تفسير لقمان أنَّ علم الساعة مِمَّا استأثر الله بعلمه، إِلاَّ إن ذَهَبَ قائلُ ذلك إلى أنَّ الاستثناء منقطع، وقد تَقَدَّمَ ما يَتَعلَّقُ بالغيب هناك.

قال الزمخشريُّ: “في هذه الآية إبطال الكرامات، لأَنَّ الذين يضاف إليهم ـ وإن كانوا أولياء مرتضين ـ فليسوا برسل، وقد خصَّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطِّلاع على الغيب”، وتعقِّب بما تَقَدَّمَ.

وقال الإمام فخر الدين: “قوله ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾ مفرد، وليس فيه صيغة عموم، فيصحُّ أن يقال: إنَّ الله لا يظهر على غيب واحد من غيوبه أحدا إِلاَّ الرسل، فيحمل على وقت وقوع القيامة، ويقوِّيه ذكرها عقب قوله: ﴿أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: 25] ”. وتعقِّب بأنَّ الرسل لم يظهروا على ذلك. وقال أيضا: “يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا، أي: لا يظهرعلى غيبه المخصوص أحدا، لكن من ارتضى من رسول فَإِنَّهُ يجعل له حفظة”.

وقال القاضي البيضاويُّ: “يخصَّص الرسول بالملَك في إطلاعه على الغيب، والأولياء يقع ذلك لهم بالإلهام”. وقال ابن المنير: دعوى الزمخشريِّ عَامَّة، ودليله خاصٌّ، فالدعوى امتناع الكرامات كُلِّهَا، والدليل يحتمل أن يقال: ليس فيه إِلاَّ نفي الاطِّلاَع على الغيب، بخلاف سائر الكرامات”. وتمامه أن يقال: المراد بالاطِّلاع على الغيب ما سيقع قبل أن يقع على تفصيله، فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم من الأمور المغيبة عنهم، ولا ما يخرق من العادة، كالمشي على الماء، وقطع المسافة البعيدة في مُدَّة لطيفة، ونحو ذلك”. وقال الطَّيِّبي: “الأقرب تخصيص الاطِّلاَع بالظهور والخفاء”.

أقول: المناسب أن يقول: تخصيص الإظهار بالاطِّلاع التامِّ الجليِّ دون الخفيِّ، فإطلاع الله الأنبياءَ على الغيب أمكن، وَيَدُلُّ عليه حرف الاستعلاء في ﴿عَلَى غَيْبِهِ﴾، فضمِّن ﴿يُظْهِرُ﴾ معنى يُطلع، فلا يظهرعلى غيبه إظهارا تَامًّا وكشفا جليًّا إِلاَّ لرسول

١٬٥٤٦ / ١٬٩٦٦