الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٦يوحى إليه مع ملك وحفظته؛ ولذلك قال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: 27]، وتعليله بقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدَ اَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: 28].
وَأَمَّا الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات، وليسوا في ذلك كالأنبياء. وقد جزم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني بِأَنَّ كرامات الأولياء لا تضاهى، بل هي معجزة للأنبياء. وقال أبو بكر بن فورك: “الأنبياء مأمورون بإظهارها، والوليُّ يجب عليه إخفاؤها، والنبيء يَدَّعِي ذلك بما يقطع به، بخلاف الوليِّ فَإِنَّهُ لا يأمن الاستدراج. وفي الاية ردٌّ على المنجِّمين، وعلى كُلِّ من يَدَّعِي أَنَّهُ يطَّلع على ما سيكون من حياة أو موت وغير ذلك؛ لأَنَّهُ مكذِّب للقرآن، وهم أبعد شيء من الارتضاء، مع سلب صفة الرساليَّة عنهم … ”الخ. ثُمَّ قال في محلٍّ آخر فيما يَتَعلَّقُ بالتبليغ بعد كلام: “فقال النبيء صلى الله عليه وسلم في خطبته "إِنَّمَا أنا بشر رسول فأذكِّركم بالله إن كنتم تعلمون أَنِّي قصَّرت عن تبليغ شيء من رسالات رَبِّي" يعني فقولوا، فقالوا: نشهد أَنَّكَ بلَّغت رسالات رَبِّك، وقضيت الذي عليك … ”الخ.
أقول: أَمَّا الرؤية فقد كذب فيها بعضهم كما هو معلوم، فتكذيبه ظاهر، وكذلك القول بِأَنَّهُ يعلم الغيب فَإِنَّهُ زعم ذلك من لم يكن راسخا في الإيمان، كما تَقَدَّمَ، فتكذيبه أيضا ظاهر. وَأَمَّا عدم التبليغ فَإِنَّهُ لا يمكن أن يقول أحد: إنَّ الرسول لم يفعل ما أمر به من تبليغ الرسالة، فلا يوجد أحد يحدثنا بذلك، فما معنى قولها رضي الله عنها في هذه الصورة “فقد أعظم على الله الفرية” اللَّهُمَّ إِلاَّ أن يقال على الفرض والتقدير، لأَنَّ القَضِيَّة الشرطيَّة لا تقتضي الوقوع على حدِّ قوله: ﴿لَئِنَ اَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65].
والحاصل أنَّ التبليغ مجمع عليه، لقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54]، بعد قوله: ﴿يَآ أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَّبِّكَ … ﴾ الآية، غايته أَنَّهُم اختلفوا