الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٧في معنى التبليغ، فذهب النُّكَّار إلى أنَّ معناه الإسماع، فذهبوا إلى أنَّ الناس كُلَّهم قد سمعوا في زمانه، فكذبوا في ذلك؛ لأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى الجزائر الخالدات التي لا يؤتي منها ولا إليها، وإلى يأجوج ومأجوج مثلا، مع أَنَّهُ أرسل إلى الناس كَافَّة وقد بلَّغهم جمعيا؛ ولذلك جعل أصحابنا رحمهم الله تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أوجه: الأَوَّل: هو ورسوله وكتابه وجهٌ. الوجه الثاني: عذره وتوسعته لمن كان على دين نبيء قبله حَتَّى يصله الخبر ببعثته صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماَم بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]. والوجه الثالث: قطع عذر من لم يكن على الدين أينما كان، لقول الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]. وَقِيلَ: هو وجهٌ، ورسوله وكتابه وجهٌ، وتوسعته لمن كان على الدين حَتَّى يسمع، وقطع عذر من لم يكن على الدين أينما كان وجهٌ”، انتهى مختصرا من السؤالات.
قوله: «ومن زعم أنَّ محَمَّدًا يعلم ما في غد»: قال ابن حجر: في رواية البخاري: “ولا يعلم ما في غد إِلاَّ الله” إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث، وَعَبَّرَ بلفظ “غد” لكون حقيقته أقرب الأزمنة، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه مع إمكان الأمارة والعلامة فما بَعُدَ عنه أولى. وفي قوله: “ولا يعلم متى الساعة إِلاَّ الله” إشارة إلى علوم الآخرة، فإنَّ يوم القيامة أَوَّلها، وإذا نفي علم الأقرب انتفى علم ما بعده”. إلى أن قال: “وقد تَبَيَّنَ بقوله تعالى في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ أنَّ الاطِّلاَع على شيء من هذه الأمور لا يكون إِلاَّ بتوقيف”. وأراد بالأمورِ الخمسةَ المذكورةَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ … ﴾ [لقمان: 34] الاية.
قوله: «لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله»: يجوز في الاستثناء أن يكون منقطعا، ورُفِع على لغة تميم، ويجوز أن يكون مُتَّصِلا. والمراد بمن في السماوات والأرض من تَعَلَّقَ علمه بها، أومن يذكر فيها. والله أعلم.