حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨

موجودٌ على الإطلاق ليس لِقدمه بدايةً أوجد منها نفسه، ولا لدوامه نهاية ينتهي إليها، وغير مقيَّد بزمان ولا مخصوص بجهة ولا مكان، قاهر فوق عباده، فوقية إجلالٍ وعظمةٍ وكمالٍ وعزَّةٍ واقتدار، ولا تحيط به الجهات والأقطار، منزَّه عن الأماكن والجهات، غنيٌّ عن جميع الكائنات متعالٍ عن الحلول على العرش والسماوات، ليس بمتَّصلٍ قتمسُّه صفحات الأجرام، ولا بمنفصلٍ فتدركه لمحات أبصار الأجسام، لا يوصف بالحركة ولا السكون، ولا تعتريه وساوس الظنون تعالى عن العيوب والآفات، وتنزَّه عن نقائص العاهات، ولا تبدو له البدوات، ولا يوصف بالجوارح والأدوات، ولا تحلُّه دعاوى الخطر، ولا يوصف بنومٍ ولا سُبات، عالمٌ بما كان وما يكون أن لو كان كيف يكون، علم ذلك بنفسه وبذاته، لا بعلم متجدِّدٍ حاصلٍ في ذاته بالحلول قادر بلا تكلُّف ولا جهد، حيٌّ حياتُه من غير نفسٍ متردِّد، سميعٌ بلا آذان ولا آلة سمعٍ، بصيرٌ بلا حدقة ولا إطباق جفن، لا تكيِّفه العقول، ولا تمثِّله النفوس، ولا تلحقه الأوهام، ولا تحيط به الأفكار، ولا تحويه الأقطار؛ ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الاَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:103].

خلق الخلق على غير مثال، ودبَّر الأمور على غير تمثال، فبقدرته تصوَّرت الكائنات وبحكمته انتظمت الموجودات، وبإرادته تألَّفت المصنوعات، لا يشغله سمعٌ عن سمعٍ، ولا يعزب عنه مثقال ذرَّة في خفضٍ ولا رفعٍ، ولا يعجز عن كشف ضُرٍّ ولا إيجاد نفعٍ، ليس له شريك منازعٌ ولا كفءٌ ولا مدافع، ولا ندَّ يعادله، ولا شكل يشاكله، ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الاَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:19]، ولا تغيب عنه مكنونات الأمور، خلق كلَّ شيءٍ فقدَّره، واخترع الانسان وصوَّره، يعلم ما توسوس به نفسُه وما يجلب إليه حسُّه، باقٍ بعد فناء الفانيات، متقدِّسٌ عن الأمد والنهايات محيطٌ بجميع المعلومات والأمور الخافيات، وجِلت القلوب لمهابته، وخضعت الرقاب لعزَّته، وذلَّت الملوك لجبروته، وتواضعت الأشياء لعظمته، فسبحان من ليس له شبيه ولا نظير، ولا يجري عليه حُكمٌ ولا تقدير، ولا زوال ولا تغيير، صانعٌ لجميع المصنوعات بلا معالجة ولا آلات، ولو كان صنعُه بمعالجة لتناهت له القدرة على المقدورات، ولو كان علمه باستدلال لخفيت عنه الأشياء الغامضات، ولو كان سمعه بحاسَّة لعجز عن درك جميع المسموعات، ولو كان في جهةٍ من الجهات لكان فمن جملة المتحيِّزات، ولو جاز

١٬٦٢٨ / ١٬٩٦٦