حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣١

”سبحان الله! أراه وأنَّى أراه“ أي كيف أراه. وكانت عائشة وعكرمة ينكران ذلك إنكارًا شديدًا فيما بلغنا. وفي كتاب الجهالات: ”من قال إنَّ محمَّدًا رأى ربَّه فهو كافرٌ مشركٌ“ .. إلخ.

قولُه: «محاط به محدود»؛ الرواية في شرح النونية: محاطٌ به وكلُّ محاطٍ به محدود .. إلخ، ثمَّ رأيته كذلك في بعض النسخ.

قولُه: «على العرش استوى»؛ سيأتي بيانُه.

قولُه: «إليه يصعدُ الكلِمُ الطيِّب»؛ قال في شرح الجهالات: مسألة؛ أخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر:10]، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:55]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلآئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:4]، فالجواب في ذلك أنَّ كلَّ الأمور تصير إليه حسنها وقبيحها يجازي بهما ويعفو عمَّن يشاء من ذلك، فالأمور كلُّها إليه تصير ومنه تجيءُ إلى خلقه وليس ذلك ما ظنَّ الجاهلون، والجاهلون هم المشبِّهة الذين يتوَّهمون أنَّ إلهَهُم في السماء دون الأرض، يتعلَّقون بهذه الآية التي تلاها صاحب الكتاب، وأمثالها من القرآن ومن الحديث، وذلك أنَّ عزَّ وجلَّ جعل السماء مسكنًا للملائكة، ومهبطًا لوحيه، وموضع تدبير أموره، فلذلك يقول عزَّ وجلَّ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، ولعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ليس على أنَّه عزَّ وجلَّ في السماء دون الأرض، وقد قال: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الاَرْضِ﴾ [الأنعام:3]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمُو أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:4]، في أمثالها من الآي التي تلوناها في غير موضع، والأحاديث التي روينا في مثل ذلك عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه والتابعين من بعدهم والعلماء المشهورين من المصدر الأوَّل. وقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل:26]، فيجب بهذا أن يكون في السفلى من العالم دون العلوِّ. وقد استقصينا هذا الباب بغاية الاستقصاء في كلِّ موضع. قال بعض أهل التفسير: إنَّ العمل الصالح هو الذي يرفع وهو الكلم الطيِّب، والكلِمُ الطيِّب عندهم هو التوحيد، ولا يُقبل إلاَّ بالعمل الصالح، فعلى هذا المعنى أنَّ رفعه لذلك هو القبول له، والله أعلم.

١٬٦٥٠ / ١٬٩٦٦