حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٦

ونظرُ الله تعالى إلى خلقه على وجهين: أحدُهُمَا: مشاهدتُهُ إيَّاهُم لا يخفون عنه. والثاني: نظرُ صلةٍ وعائدةٍ كقوله تعالى: ?وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ? [آل عمران: 77] أي برحمتِه، ونظَرُ الخلْقِ إليه انتظارُ رزقهِ ورحمته، والله أعلم. قال: قال بعض من يُثبِتُ الرؤيةَ: إنَّ النظرَ ينقسمُ معناهُ في اللغة، ولكن يعتُورُه وسائط مختلفة على حسب اختلاف معانيه. فقال: إن أريدَ به الانتظارُ استُعمِل من غير صِلَةٍ، كما قال الله تعالى: ?انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُّورِكُمْ?.

قال: وإن أُريدَ به الفِكرُ استُعمِلَ بفِي، كقولِك:» نظرتُ في الأمر «. قال: وإن أُريدَ به الترحُّمُ وُصِل باللاَّمِ، فيقولُ:» نظرت لفلان «. وإذا أُريدَ به الإبصارُ والرؤيةُ وُصِلَ بإلى. قال: والنظرُ في هذه الآيةِ موصولٌ بإلى، خبرٌ عن الوجوهِ الناضرة. قيل له إنَّ الأمرَ كما ذكرتَ في النظر، ولكنَّ النظرَ الذي بمعنى الانتظار تارةً يُوصَل بإلى وتارةً يُستعمَلُ بغير صِلَةٍ، وهو في هذه الآية موصولٌ بإلى، الدليل على ذلك قولُ الشاعر:

وُجوهٌ ناظراتٌ يومَ بدرٍ … إلى الرَّحْمَ?نِ تنتظِرُ الخَلاَصَا

وذلك موجودٌ في لُغةِ العرب؛ ألاَ ترى إلى قولِ القائلِ:» إنمَّا أنظُر إلى اللهِ ثمَّ إليكَ «، ولا يذهبُ وهمُ أحدٍ إلى قولِه:» إنَّما أنظرُ إليكَ «إنَّه أرادَ نظرَ رؤيةٍ وإنَّما معناهُ انظرُ إلى ما يأتي من قِبَلِكَ منَ الرزقِ والرحمةِ.

قولُه: «وأمَّا الرؤيةُ فقد تكونُ بغير البصر»؛ أي العلم، كما يدلُّ عليه آخر كلامه. قال في شرح النونية: والرؤيةُ تخرج على معنى العلامة ورؤية الدلالة، وقد يقول الرجلُ لصاحبِه أرنِي على ما قلتَ برهانًا، قال الله تعالى: ?اَلَمْ تَرَ إِلىَ? رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ? [الفرقان: 45] يريدُ ألَم تعلَم. قال الكميتُ بنُ زيدٍ شعرًا:

رَأَيْتُ اللهَ إِذْ سَمَّى نِزَارًا … وَأَسْكَنَهُمْ بَمَكَّةَ قَاطِنِينَا

وكثيرًا ما يستعمِلُ النَّاسُ فيما بينَهم عبارةَ الرؤية على العِلمِ كقولهم: رأيتُ لفلانٍ فهمًا وعِلمًا وأدَبًا. فأمَّا الجهرةُ فلا تُذكرُ إلاَّ عند الملاقاةِ بالأبصارِ، فمَن زعم

١٬٦٥٥ / ١٬٩٦٦