الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٧أنَّ الله يُرَى يومَ القيامة فهو كافرٌ، ومن قال يُرى في الدنيا في كُتُب شيوخ أهل المغرب، انتهى ولعلَّ تمامُه أنَّه مشركٌ كَمَا هُو المصرَّحُ بِه في» الموجَز «وغيرُه. قال رحمه الله: فإن قالَ قائلٌ من الحشويَّة إنَّ الأمرَ كما ذكرتُم إنَّ الله لا يُدرَكُ جهرةً وإنَّما يُرَى رؤيةً، لأنَّ الإدراكَ من شأنِه الاتِّصالُ والرؤيةُ ليسَ من شأنِها الاتصالُ بالمرئي، قُلنا صدقتُم وكذلك يُسمَعُ بالأذانِ ويُشَمُّ بالأنوفِ لأنَّ السمعَ والشمَّ ليس من شأنِهِمَا الاتِّصالُ، فعجبًا منكم معاشر الحشويَّة دونَ إخوانِكُم المشبِّهة زعمتُم في بدءِ أمرِكُمْ أَنَّ مَعبُودَكُم لا يُوصَفُ بصفاتِ الأجسامِ ولا يُسمَّى باسم الأجسام كاسماءِ إخوانِكُم من أهلِ التجسيمِ والتعطيلِ، فَنقضتُم أَصلَكُم بعد ذلك فزعمتُم أنَّ معبودَكُم تعالى استوى على العرش بذاتِه وأنَّه يُرى بالأبصار جهرةً، وَيحَكُم أوَلَيس الحلولُ من الأجسامِ ورؤيةُ البَصَرِ لا تقعُ إلاَّ على الألوانِ القائمةِ والأشباحِ الماثِلَة! فَلَعمرِى لو قُلتُم يُسمَعُ بالآذان ولا يُرَى بالأبصارِ لَكَان أقيَس على أصلِكُم الذي بنيتُم عليه مذهبَكُم. كما قُلتُم في القرآن مِن أنَّهُ كلامُ الله قديمٌ أزلِيٌّ وهو مع ما وصفتُمُوه به يُسمَعُ بالآذان لقوله تعالى: ?فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ? [التوبة: 6]. ولكن لمَّا ضُويِقتمُ بالدلائِل العقليَّة والاحتجَاجَاتِ الضروريَّة نصبتُم له هُيُولى خيالاً، وهو العبارةُ بما حُوجِجتُم به من صفاتِ الخلقِ الموجودةِ في القرآن مِنَ الاتِّصَال والانفصال والمتشابِه والمتماثِل وغيرها من صفاتِ الخَلْقِ.
قلتُم صدقتُم غير أنَّ ذلك يتوجَّه إلى العبارةِ فلو قُلتُم في معبودِكُم إنَّه يُسْمَعُ بالآذان إذ كان المسموعُ لا تقُعُ عليه الأبصارُ ولا يُوصَفُ بلونٍ من الألوان ولا شيءٍ من معانِي الأجسامِ لأنَّه عرضٌ من الأعراضِ لكانَ أشبَهَ بمذهبِكُم ولكنَّكُم عَكستُم، فقُلتُم يُرَى بالأبصارِ جهرةً وأنَّه على العرشِ دونَ ما سِواهُ من الأمكِنَةِ جُرأةً منكم وسوء الظنِّ لعاقِبةِ أمرِكُم فَلكُم الويلُ ممَّا تَصفُونَ وإلى ما إليه تُؤَوِّلُون. اعلَمُوا مَعشَر المسلمين أنَّ القومَ ليسُوا على شيءٍ وإنَّما بُنِيَت أصولُهم على التشبيهِ للذَّات والتعطيلِ للصِّفَاتِ، فلاَ يَغُرَّنَّكُم تأليفُهم في الكلامِ بالإكثارِ وكثرةِ ما صنَّفُوه من الأسفَارِ، فقد صَنَّفت الفلاسفةُ وسائرُ المُلحِدةِ أكثَرَ من ذلك وأطولَ واللهُ المستعانُ وبهِ الحولُ والتوفيقُ، الخ.