حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٢

باستِوائِهِ عليه بعد تكوينه إياه. قال: فبطلَ بذلك أن يكُون معنى استَوَى استَوْلَى.

قال: وقد كان العرشُ كائنًا قبل خلقِ السمواتِ والأرضِ، قال: فلو كان استِواؤُه على العرش كاستِوَائِه على ما سِواهُ قال لسقط معنى ثم، قال: ألا ترى لو أنَّ مُلاقيًا لاقى زيدًا في حالِ مُلاقاتِه عمرًا لم يَجُز أن يقول لاقى زيدًا ثمَّ عمرًا إذا كانت مُلاقاتُه لهما جميعًا معًا. قال فمن ادَّعَى خِلاف ما قُلنا كابَرَ العيان وجوَّزَ الردَّ على الله عزَّ وجلَّ، قال: لأنَّ الله تعالى إنَّما خاطَب رسولَه بِما تفهمُه العربُ واستدلَّ على صحَّة قولِه في» ثُمَّ «بقول الله عزَّ وجلَّ: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى? [طه:82]، وقولِه: ?فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ? [البلد:11] إلى قولِه: ?ثُمُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ? [البلد:17]، قال إنَّما يعني به الذين دامُوا على إيمانِهِم، ودَوَامُهم على إيمانِهم إنَّما يكون بعد تقدُّم إيمان. قال: فذلك تحقيقُ ما ذكرنا في» ثُمَّ «. قال وكذلك معنى قولِه ?ثُمَّ اهْتَدَى?، والله أعلم. وأحكم الردَّ عليهم وبالله التوفيق، قال الله تعالى: ?ثمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? اعلمُوا إنَّما احتجاجُ المشبِّهة في الاستواءِ يدور على هذه الأربع كلماتٍ ثم استوى وعلى العرش، فهم مُطالبون بتأويل هذه الكلمات. فصل: أمَّا قولُ المشبِّهة أنَّ» ثُمَّ «لا تكون أبدًا إلاَّ للاستئناف، واحتجُّوا بقول الله تعالى: ?إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا? [مريم:60]، وبقوله: ?فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ? إلى قوله: ?ثُمُّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ?» ثُمَّ «بمعنى الاستدامة والجوابِ، فيما وجدتُ في لغة العرب أنَّ» ثُمَّ «تكون للتراخي والمُهلة، وتكون بمعنى الواو، واستدلَّ على التراخي بما هو ظاهرٌ، ثم قال وأمَّا كونُها بمعنى الواو فكقولِ الشاعر:

سَأَلْتُ رَبِيعَةَ مَنْ خَيْرُهَا؟ … ... أَبًا ثُمَّ أُمًّا فَقَالت لِمَهْ؟

وقال آخر:

إنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ … ... ثُمَّ مِنْ قَبْلِ ذَاكَ قَدْ سَادَ جَدُّهُ

فثم هاهُنا بمعنى الواو، ونظيرُه من كتاب الله عزَّ وجلَّ قوله: ?ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ اَيُّهُمُو أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذِينَ هُمُو أَوْلَى بِهَا صُلِيًّا? [مريم:69،70]، فثمَّ هاهنا بمعنى الواو، وكان الله تعالى لم يزل عالمًا لم يزل عالِمًا بالذين هُم أولى

١٬٦٨١ / ١٬٩٦٦