حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٣

بها صليًّا، وكذلك قولُه: ?الَرَ كِتَابٌ اُحْكِمَتَ آيَاتُهُو ثُمَّ فُصِّلَتْ .. ? [هود:1]. فالإحكامُ هاهنا جامعٌ للتفصيلِ وغيرِ التفصيلِ، لأنَّ الله تعالى لا يفصِّلُه بعدما أحكَمَه، فكانت» ثمَّ «هاهنا بمعنى الواو. وكذلك قولُه تعالى: ?وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُواْ .. ? [الأنعام:152]، إلى قوله:?ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ .. ? [الأنعام:153]؛ فإيتاءُ الكتابِ لِمُوسى عليه السلام قبل مبعَثِ نبيِّنا عليه السلام. وقال تعال: ?خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَّاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا .. ? [الزمر:06]؛ فثُمَّ بمعنى الواوِ. وكذلك قولُه في الآية التي احتجُّوا بها: ?فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ? إلى قوله: ?ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ?، إنَّ ثُمَّ هاهنا بمعنى الواو، لأنَّه لم يرد أنَّه فَعل ما فعل ثُمَّ كان بعد ذلك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكذلك قولُه: ?إلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا? إلاَّ مُهتديًا، فنعكسُ عليهم المسالَةَ فيُقال لهم: أخبرُونا عن قوله: ?ثُمَّ اهْتَدَى? هل تخلُو ثُمَّ هاهنا من إحدى منزلتين: إمَّا أن تكون مُوجبةً لعدَمِ الاهتداء قبل وجُودِها بحسب ما كانت» ثُمَّ «عند قوله: ?ثُمَّ اسْتَوَى? إنَّها دالَّة على عدم الاِستواءِ قبل وجودها.

إلى أن قال: كذَّبَتكُم الأمَّةُ بأسرِها مع الإجماعِ منها على فسادِ ما ذهبتم إليه، وذلك أنَّه يُقالُ لهم: كيف يُمكن أن يكون من تَابَ وآمنَ وعمِلَ صالِحًا غير مهتدٍ؟ فمن تاب وآمنَ وعمل صالِحًا فهُو من أهلِ الجنَّة عندنا أجمعين. فينبغي على قولكم أن يكون قولُه عزَّ وجلَّ ?ثُمَّ اهْتَدَى? أنَّ» ثُمَّ «في هاهنا دالةٌ على عدم الاهتداءِ قبل وجُودِها ممَّن تاب وآمن وعمِل صالِحًا. كما كان قوله: ?ثُمَّ اسْتَوَى? أنَّ» ثُمَّ «دالَّةٌ على عدم الاستواءِ قبل وُجودِها على حسب ما ذكرتُم من ذلك، وهذا ما لا سبيلَ إلى دفعِه. فإن زعمتم أنَّ قولَه ?ثُمَّ اهْتَدَى? أنَّ» ثُمَّ «هاهنا موجِبةٌ لمعنى الدوام على إيمانِه، قيل لكُم فهلاَّ زعمتُم أنَّ» ثُمَّ «في قوله ?ثُمَّ اسْتَوَى? إنَّما هي بمعنى الدَّوامِ، فبطل ما اعتَلُّوا به، واللهُ أعلم وأحكم.

١٬٦٨٢ / ١٬٩٦٦