الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٦٤وأمَّا الاستواءُ في لغة العرب فهو على ضروبٍ مُختلفةٍ، فذَكَرها واستدلَّ عليها بالقرآن وكلامِ العرب شعرًا ونثرًا بِما يطُولُ ذكرُه. ومن جُملتها أنَّه يكونُ بمعنى القهرِ والغلبةِ إلى أن قال: وقد رُوي عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنه في قوله تعالى: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، قال استولَى. وابنُ عبَّاس صاحبُ التأويلِ والناسُ عليه فيه عِيالٌ. إلى أن قال: فاستواؤُه عزَّ وجلَّ على عرشِه إنَّما هو استيلاؤُه عليه بالمُلك والسلطانِ لا شريك له. فإذا ثبَتَ بهذه الشواهدِ العقليَّة والاحتجَاجَاتِ الضرورية أنَّ الاستواءَ على ضروبٍ مُتفاوِتةٍ فلِمَ لم تعمد المشبِّهَةُ إلى أرفعِهَا منزلةً، وأعلاهًا درجةً، وأبعَدِها تنزيهًا فتصِف الله تعالى به إذ كان عزَّ وجلَّ بعيدًا من صفاتِ الخلق ومعاني النَّقصِ. ولو كان استواؤُه على المعقول لكانَ تصويره لِمَا في الأرحام على المفهوم، وإتيانُهُ بُنيانَهُم على المعقول، تعالى اللهُ عن ذلك عُلوًّا كبيرًا.
فلمَّا كان الأمرُ على ما ذكرنا ثبَتَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يزَل مُستولِيًا على عرشِه قبل خلقِه إيَّاهُ واختراعِه لهُ بأن يوجِدَهُ في أيِّ وقتٍ شاء، ومستولِيًا عليه في ايجادِه بأن كان مُمْسِكًا له ومُبقيًا لهُ بأن يحدُث له البقاءُ الذي بقي به في كلِّ وقتٍ خلافًا لمن قال: إنَّ» ثُمَّ «هاهنا في معنى الاِستِئنَافِ والتقديرُ في قوله: ?خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? أي هُو مع خَلْقِهِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لم يزل مُستوليًا على العرشِ وغيرِه بالقهرِ والغلَبةِ. فأمَّا» على «فإنَّها تتصرَّف على وجوهٍ؛ فذكَرَها واستدلَّ عليها أيضًا بالقرآنِ وكلامِ العرب نظمًا ونثرًا بما يطولُ ذكرُه، إلى أن قال: ووجهٌ آخر كقولِه تعالى: ?وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمِرِهِ? [يوسف:21]، وقولِه: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى?، وقولِه: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ? [الأنعام:18] بالقهرِ والغلَبَةِ نَظيرُهُ ?وإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ? وقوله: ?يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ? [النحل:50] أي بالقهرِ والغلبَة