الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٦٥لا بالمكان والجهةِ، تعالى اللهُ عن ذلك. فإذا كان يخرجُ على ما ذكرنا فلِمَ لا يكونُ قولُه على ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? بالقهر والغلبةِ دونَ ما ذهبت إليه المشبِّهةُ من الالتزاق والفوقيَّة، تعالى الله عمَّا يقولون عُلوًّا كبيرًا، واللهُ عالٍ على العرشِ وجميع الخلقِ بالغلبة والسلطان، فالعرشُ وجميعُ الخلق في تدبيره عزَّ وجلَّ، وتقديرُه ألا ترى أنَّ الناسَ يقولُون فلانٌ على بني فلانٍ، إذا كان يلي أمُورَهم ومَصالِحهم، واللهُ أعلمُ وأحكم.
وأمَّا العرشُ فقد اختَلَفَ المتكلِّمون فيه؛ فقال بعضُهم فيما بَلَغَنا أنَّ ذِكرَ الله تعالى للعرشِ على المجاز والمَثَلِ المضروبِ، فليس عنده في السماءِ عرشٌ، إنَّما ذلك كقولِ العربِ» قد ثلَّ عرشُ فلانٌ «إذا انحطَّ من عزٍّ إلى ذُلٍّ، فاستشهد لذلك. إلى أن قال: وقالوا في الكرسيِّ مثل ذلك وزعموا عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنه في قوله: ?وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضَ? [البقرة:255] أنَّه قال عِلمُه، واستدلُّوا بقولِ الشاعر:
كَرَاسِيُّ بالأَحدَاثِ بِيضٌ وُجُوهُهُمْ … كَأنَّهُم فِي السَّاجِيَاتِ كَوَاكِبُ
أي عُلماءُ، واللهُ أعلم. وهؤلاء فرُّوا من شيءٍ لا ينقضُ عليهِم من كلامِهِم شيئًا، وليس في كون العرشِ جسمًا ما يُوجبُ الجلسَةَ عليه، كما يُقال بيتُ اللهِ لا على أنَّه يسكُنُه، ومساجِدُ اللهِ لا على أنَّه يُصلِّي فيها، وسماؤُه وأرضُه وبحارُه لا على أنَّه يسكُن شيئًا من ذلك، تعالى اللهُ عن ذلك. وكذا العرشُ وإن كان جِسمًا من الأجسامِ فليس في ذلك ما يُوجِب الجلسَة عليه كما قالت المشبَّهة. وزعموا أنَّه لا فرق بين قوله: ?وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ? [يوسف:100] وبين قوله: ?ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ? وقوله: ?أَهَكَذَا عَرْشُكِ? [النمل:42] وليس في ذكره عزَّ وجلَّ سماءً ولا أرضًا ولا بيتًا ولا مسجدًا ولا عرشًا ما يُوجِب التشبيهُ له بخلقِه، عزَّ وجلَّ عن ذلك. وقد قال عزَّ وجلَّ: ?حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ? [الزمر:75] وقال: ?الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ? [غافر:7] وقال: ?ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة? [الحاقة:17]، وقالَ: ?وَكَانَ عَرْشُهُو عَلَى الْمَاءِ? [هود:7]. وجاء في الحديث عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «اهتَزَّ العرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ»، والاهتزازُ لا يكونُ إلاَّ للأجْسَامِ، وجاءَ في الحديث عنه عليه السلام قال: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يَحْمِلُ زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا الْعَرْشِ عَلَى كَاهِلِهِ .. » الحديث. في حديثِ كثيرٍ مثلُه يدُلُّ على أنَّ العرشَ جسمٌ يُدارُ به وَيُطافُ حَولَه.