حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٦٦

وأمَّا تخصيصُه عزَّ وجلَّ العرشَ بالاستواءِ فإنَّه لمَّا كان أسفَلَ الأشياءِ الثرى وما تحتَ الثرى، وكان أعلى الأشياءِ السماءُ وما فوق السماءِ السابعة كالعرش والكرسي، وكان اللهُ عزَّ وجلَّ قد جعل للأعلى في القلوب من التعظيم والقدرةِ الشرفِ ما لم يجعله للأسفل، كما عظَّم بعضَ الشهور، وبعضَ الأيام، وبعض الليالي، وبعض الساعات، وبعض البقاع على بعضٍ. وقد جعل للعرشِ ما لم يجعل مثله للكرسيِّ، وجعل للكرسيِّ ما لم يجعل مثله للعرش، وجعل للعرشِ والكرسيِّ ما لم يجعل للسماءِ، فذكر العرشَ والكرسيَّ والسماءَ بما لم يذكُر به شيئًا من خلقِه، فذكر مرَّة العرش والكرسيَّ والسماء في جملةِ الخلق وأنَّه عالٍ على جميعِها بالقدرة والسلطانِ والقوة، حيث يقول الله على كل شي قدير ?وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ? [المائدة:120]، فأوجب بذلك أنَّ علوَّه على ذلك إنَّما هو بالقدرة والسلطان. وإنَّما خصَّه بالذكر إذ كان مخصوصًا عندنا بالشرف والتعظيمِ وأنَّه فوق جميعِ الخلق لأنَّ من قدر على أعالي الأشياءِ فهو قادرٌ على أسافِلِها، وليس من قدر على أسافِلِها أن يكون ذلك موجبًا له القدرةَ على أعاليها.

ثُمَّ فمتى ما ذَكر اللهُ تعالى أنَّه عالٍ على العرشِ ظاهرٌ عليه فهو دليلٌ على أنَّه عالٍ على كلِّ شيءٍ؛ فمرَّة يذكُر العرشَ ومرَّةً يذكر الكرسي دون العرش، ومرَّة يذكُر السماء دون الأرض ومرَّةً يذكُرُهما جميعًا، كقوله: ?وَهُو اللهُ فِي السَّمَاواتِ وَفِي الاَرْضِ? [الأنعام:3]، ?وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِي الاَرْضِ إِلَهٌ? [الزخرف:84]، ومرَّة يقولُ: ?أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَآءِ أَن يَّخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ? [الملك:16]، وترَكَ ذكر الأرضِ فلو كان في ذكرِه السمَّاءَ دونَ الأرضِ دليلٌ على أنَّه ليس في السماءِ دونَ الأرضِ لكان في ذكرِهِ العرشَ دليلٌ على أنَّه ليس في السماءِ وقد قال: ?أَأَمِنْتُمْ مَّنْ فِي السَّمَآءِ? ولكنَّ الله تعالى يذكر جملةَ الأشياءِ بالتدبيرِ فيها والقدرةِ عليها، ويذكرُ العرشَ والكرسيَّ تارةً بالتخصيصِ لهما والتفخيمِ، كما ذكر الأنبياءَ والملائكة عليهم السلام جملةً وخصَّ منهُما من يصلُح للتخصيص .. الخ.

فذكر جملة من عطف الخاصِّ على العامِّ لشرفِ الخاصِّ، إلى إن قال: وكذلك العرشُ والكرسيُّ أبانهما من جملة الخلقِ لشرفِهِما عندنا وعلُوِّ قدرِهما، فمرَّة يذكر معاظِم الأمور وجلائِل الخلقِ وكبارِ الأجسامِ وأعالي الأجرام، ومرَّة

١٬٦٨٥ / ١٬٩٦٦