الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٦٩فإن قالوا إنَّ الاستواءَ على غيرِ الحلولِ والتمكُّنِ قُلنا فعلى ماذا إذًا؟ فإن قالوا لا نعدُوا ما قال اللهُ تَعالى من ذلك، ولا نقولُ على الحلُولِ المعقولِ ولا غيرِ ذلك من الاستيلاءِ والحفظِ، غير أنَّا نقول إنَّ اللهَ تعالى فعلَ في العرشِ فعلاً يُسمَّى به مستويًا، ولا نصِفُ ذلك ولا نَحُدُّه. قُلنا فنحنُ لا نجِدُ للاستواءِ في لُغةِ العرب معنىً إلاَّ ما ذَكرْنا من الاستيلاءِ والحفظ، أو على معنى ما يُعقَلُ من الحُلولِ والتمكُّنِ. فعلى أيِّ هذين الأمرين تعزِمُون من قولِكم؟ وعلى أيِّهِما تعتمِدون؟ فنحن لا ندعُكُم حتَّى تخرجُوا بنا إلى أحدِ الوجهين: إمَّا قولُ إخوانِكُم من أصحابِ المعقولِ والتمكُّن، فذلك أَرْوَحُ لكم وأفيَد لمقالتِكُم من الإقامةِ على اللُّبسَةِ والرضى بالشُّبهةِ، أو ترجعوا إلى قولِنا ضرورةً، وليس بين هذين الوجهَين وجهٌ تعتمدُون عليه. وكذلك يسألون عن النظَرِ المذكور في الآية التي استدلُّوا بها على صحَّة الرؤية بزعمِهم، وغير ذلك من النزُول الذي انتحلُوه عشيَّةَ عَرَفَة، والإتيانِ في ظُلَلٍ من الغمام الذي زعمُوهُ ونَحَلُوهُ ربَّهم.
فإن قالوا ليس علينا من البحث والتفتيشِ في هذا شيءٌ، قلنا: بل يجب لله عليكُم أن تصِفُوه بصفاتِه وتعزمُوا إليه بخلافِ صفاتِ خلقِه، وتَدَعُوا ما وراءَ ذلك من التشبيهِ والتعطيلِ، ووُقُوفُكم بين ما بيَّن الله في كتابه وأوضَحَهُ الرسولُ عليه السلامُ من سنَّتِه وتكلَّمت به أئمَّةُ المسلمين من الصحابة والتابعين، مع أنَّكُم قد بحثتُم وفتَّشتُم وقلتُم فأخطأتُم وتجاوزتُم السبيلَ الأزهر المقبول إلى المُشكِل المردودِ الأوعرِ المجهولِ حين زعمتُم أنَّ الله يُرى بالأبصار جهرةً، وأنَّه على العرش بذاتِه دون ما سواهُ من الأمكنةِ، وأنَّه ينزل عشيَّةَ عَرَفَة إلى السماءِ الدنيا فيباهِي الملائكةَ بأهل عَرَفة وأنَّه ينزل في النصف من شعبان، وأنَّ له عينًا ووجهًا ويدًا وقبضةً ويمينًا وجنبًا في جميع ما تجاسرتم عليه، تعالى الله عمَّا تقولون وعمَّا عليه تقولُون علُوًّا كبيرًا والحمدُ الله ربِّ العالمين. انتهى كلامُه رحمهُ الله. جميعُ ما ذكرهُ عن القومِ لعلَّه مذهبُ المتقدِّمين منهم. وأمَّا المتأخِّرُون منهم فمذهبُهم وجميعُ ما أدَّى من الاستواءِ والعينِ والوجهِ واليدِ وغيرِ ذلك ممَّا ذكر مذهبُ المسلمين إلاَّ في الرؤ يةِ - قبَّحهم الله – وأمَّا غير ذلك فقد خالفوا فيه قدماءَهُم فلذلك قالوا في كُتُبهم فيما يتعلَّق بالاستواء: طريقةُ