الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٧٠السلفِ أسلمُ يعنون لما فيها من التوقُّفِ، وطريقةُ الخَلَفِ أعلَمُ يعنُونَ لِما فيها من العِلمِ حيث بيَّنوا المرادَ به، والله أعلم.
قولُه: «ارتفع ذكرُه وثناؤُه وجدُّه على خلقِه»؛ فيه إشارةٌ إلى تأويل» استوى «بمعنى ارتَفَع، وإلى تقدير مضافٍ في الضمير المستَتِر، وإلى أنَّه ليس المرادُ من العرشِ خصوصيَّته وإن خُصَّ بالذكر لأنَّه إنَّما خُصَّ بالذكر لشرفِه وعظَمَتِه، فإذا استولَى عليه وقهَرَه وغلَبه وارتفع ذكرُه وثنَاؤُه عليه فعلى غيرِه من الخلقِ من باب أولى. قال في الموجَز في قوله عزَّ وجلَّ: ?وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ? هو كقولِه: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? وكقوله: ?وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ? .. وهذه الكلماتُ الثلاثُ متساويةُ السبكِ متقاربةُ المعنى، فإذا تأمَّل ذلك مُتأمِّلٌ وجَدهُ على ما قلنا؛ وذلك أنَّ قوله: ?الرَّحْمَنُ? مثل قولِه: ?وَاللهُ? ومثل قولِه: ?وَهُوَ?. وكذلك قوله: ?عَلَى? مكانَ قولِه: ?فَوْقَ?. وكذلك قولُه: ?اسْتَوَى? مكان قولِه: ?غَالِبٌ? ومكان قولِه: ?الْقَاهِرُ?. وكذلك قولُه: ?العَرْشِ? مكان قوله: ?أَمْرِهِ? ومكان قولِه: ?عِبَادِهِ?. فهذه الكلِمُ الثلاثُ مُتشابهةٌ في العبارة والإشارة، فلا تَجوزُنَّ -أيَّدَك الله - بالذي فسَّرنا منها صَفحًا تُوفَّق إن شاءَ الله.
قولُه: «فَذَكَرَ قَوْلَهُ» أي قولَ الراوي عن أُناسٍ، والمناسبُ أن يقول: فذكر قولهم .. الخ. «فَارْتَعَدَ ابْنُ عُمَرَ فَرَقًا وَشَفَقًا» والفَرَقُ بالتحريكِ الخوفُ، وهو من فَرِقَ بالكسر ومنه قولُه تعالى: ?وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَّفْرَقُونَ? [التوبة:56]، والشَّفِقُ الحذِرُ وكثيرُ الإشفاقِ من أشفَقَ. وأمَّا شَفَقْتُ فاثبتهُ ابنُ دريد وأنكره أهلُ اللُّغة كما قاله في الصحاح، والمرادُ - والله أعلم - أنَّه يخافُ ويحذر أن ينزِل عليهِم من قِبَل اللهِ تعالى نوعٌ من العذابِ لِعَظِيمِ ما تكلَّمُوا به من الإفكِ والبُهتان في حقِّ الله، تعالى عمَّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا.
قولُه: «يَقُولُ: ?الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? أي: استوى أمرُه وقدرتُه» .. ؛ يعني أنَّ الفاعلَ في ?اسْتَوَى? على حذفِ مضافٍ، وأنَّ ?عَلَى? حينئذٍ على معناها من الفوقيَّة والاستعلاء، ولا ضرر في ذلك. وفي قوله» فَوْقَ