حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٧١

بَرِيَّتِهِ «إشارةٌ إلى أنَّ استواءَ أمرِه وقدرتِه على عرشِه مع عظمتِه يستلزمُ الاستواءَ على سائرِ خلقِه من بابِ أولى، فلذلك ذكرَ البريَّة مكانَ العرش والله أعلم.

قولُه: «وقد وضع عبدٌ من عبادِه [إلى قوله] فجعله قبلةً للناس تكذيبًا لقولهم» .. ؛ يعني والله أعلمُ أنَّ الله عظَّم حجرًا، وهو مقامُ إبراهيمَ عليه السلام، حيث جعلَه قبلةً للناس، يعني أنَّه قبلةً لِمن صلَّى داخل الكعبة فإنَّه يستقبِل البابَ ومن استقبَله فقد استقبل المقامَ، وقد نصَّ الشيخُ هودُ بن مُحَكَّم رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ?وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى? [البقرة:125] أنَّ المقامَ قبلة الكعبة. وقد عظَّمه الله تعالى حيث يقول: ?وَاتَّخَذُواْ مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى? فعلَ الله ذلك تعظيمًا له لأجلِ وقُوفِ خليلِه عليه السلام عليه، فلو فعلَ في الصخرة ما ذكره أهلُ الشَّامِ - قبَّحهُم الله - لكانت أَولَى بالتعظيمِ وأحقُّ من مقامِ إبراهيم بأن تُجعَل قبلةً، فلمَّا عكَسَ دلَّ ذلك على تكذيبِهم، والله أعلم.

قولُه: «?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهُيَ دُخَانٌ? [فصِّلت:11]، أي استوى أمره وقدرته إلى السماء»؛ قال في الموجز: وأمَّا قولُه: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهُيَ دُخَانٌ? فكيفَ يتهيَّأ الاستواءُ على الدخان إذا كان ذلك على ما تتوهَّمُه المشبِّهةُ من الحلول، وكذلك قولُه: ?عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى? لو كان ذلك على ما يتوهَّمونه من الاستواءِ بعد الاِعوِجاجِ لكان ينبغي أن يكون الله جلَّ جلالُه في أوَّل ما جلس على العرش لم يكن متمكِّنًا، فهو إذا يعجزُ عن حُسنِ الجلسةِ حتَّى يريد أن يتأتَّى له ويمكن لنفسه، وما يخلو المتوهِّم لهذا والقائلُ بهِ من أن يكونَ غبيًّا منقوصًا أو معاندًا عبِثًا، تعالى الله عن جميع ما قالوا عُلوًّا كبيرًا. وقال في شرح النونيَّة: ويكون الاستواءُ بمعنى القصد -بالتدبير- إلى الشيء، قال الله تعالى: ?ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ? أي قصَدَ إلى السماءِ بتدبيره وعجائبِ تقديره .. الخ. فعلى هذا لا يُحتاجُ إلى التأويلِ الذي ذكره المصنِّفُ رحمه الله لأنَّ قصده سبحانه وتعالى إلى الشيءِ بالتدبير صحيحٌ كما هو ظاهرٌ، والله أعلم.

١٬٦٩٠ / ١٬٩٦٦