حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٩٢

والثالث: أنَّه دعا لابن عباس فقال:» اللَّهُمَّ فقِّهْهُ في الدين وعلِّمْه التأويل «، فلو كان تفسيرُه مسموعًا كالتنزيل فما معنى تخصيصِه بذلك. الرابع: أنَّه تعالى قال ?لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ? [النساء:83] فاثبت الاستنباطَ للعلماءِ وهو وراء السماع، فثبت بِمَا ذكَرنا تناقُضَ هذه الشبهةِ التي أوردت، وبطل اشتراط السَّماع في التفسير، وجازَ لكُلِّ عالِمٍ أن يستنبِط من القرآن بقَدرِ فهمِه وعلمِه. وأمَّا النهيُّ فإنَّه يدلُّ على وجهين. أحدهما: أن يكونَ له في الشيء رأيٌ وميلٌ من هواه، فيتأوَّل القرآنَ على وفقِ هواه لتَصِحَّ له بدعته، وهذا تارة يكونُ مع العلم أنَّه ليس المراد بالآية ذلك الرأي ولكن يَلبِس على خصمِه، وتارة يكون مع الجهل إذا كانت الآية مُحتملةً، فيميل فهمه إلى هواه ورأيه .. إلى أن قال: الوجه الثاني: أن يتسارَع إلى التفسير بظاهر العربية من غير سماعٍ ولا نقلٍ فيما يتعلَّق بغريبِ القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة المبدَّلة، والاختصارِ والحذفِ والإضمارِ والتقديمِ والتأخير، فمن لم يحكِّم هذه المعاني وبادَرَ إلى استنباط ذلك بظاهر العربية كثُرَ غلطُه، ودخل في جملةِ من يُفسِّر القرآن بالرأي. ولابد من سماع التفسير أوَّلاً ليتَّقيَ به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتَّسِع الفهمُ. والغرائب التي لا تُفهَم إلاَّ بالسماع فنونٌ كثيرةٌ؛ قال الغزالي .. الخ، فمثَّل لجميع ذلك من القرآن بما يطولُ ذكرُه، فليراجَع والله أعلم.

قولُه: «الكلامُ المتشابه الذي يتَّفقُ لفظُه ويختلف معناه»؛ يعني كالكلام المشتمِل على الاستواءِِ مثلاً، فإنَّ لفظََه واحدٌ بالنظر إلى الاستواء ومعناه مختلفٌ، وكذلك المشتملُ على اليد والعين والقبضةِ ونحو ذلك فيحمل في كل موضع على ما يُناسِبُه بحسب القرائن كما تقدَّم.

قولُه: «ارتفع ذكرُه» .. الخ؛ فعلى هذا يكونُ في الكلام مجازان، أحدُهما في الكلمة حيثُ استُعمل الاستواءُ في الارتفاع إن لم يكن ذلك معناه لغةً، والثاني بالحذف أعني حذفَ المضاف إلى الضمير المستتر في» استوى «. والقرينةُ في كلٍّ منهما الاستحالةُ في الحملِ على الظاهر، والله أعلم.

١٬٧١١ / ١٬٩٦٦