الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٩٧جنبيها إلاَّ اللهُ عِظَمًا وهم ينظرون. ثُمَّ نتجت سقبًا مثلها في العِظَمِ، فآمن به خيدعُ بن عمرو ورهطٌ من قومِه. وأراد أشرافُ ثمود أن يُؤمنوا به ويصدِّقوه، فنهاهُم جوابُ بنُ عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب بن صمعر وكانَ كاهنَهُم، وكانوا من أشراف ثمود، فلمَّا خرجت الناقةُ قال لهم صالح: ?قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ? [الشعراء:155]، فمكثت الناقةُ ومعها سقبُها … في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء، فكانت ترِدُ الماء غبًّا، فإذا كان يومُها وضعت رأسها في بئرٍ في الحجر يُقالُ له بئرُ الناقة، فما ترفعُ رأسها حتى تشرب كل ما فيها فلا تدع قطرةً، ثم ترفع رأسها فتفسح حتى تفحج لهم فيحلبون ما شاءوا من لبنٍ فيشربون ويدَّخرون حتى يملأوا أوانيهم كلَّها، ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت، ولا تقدر على أن تصدر من حيث ترِدُ يضيق عنها، حتى إذا كان الغدُ كان يومُهُم فيشربون ما شاءوا من الماء ويدَّخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم في ذلك في سَعَةٍ ورَغَد.
وكانت الناقة تصيف إذا كان الحرُّ بظهرِ الوادي، فتهرب منها المواشي: أغنامهم وبقرهم وإبلهم، فتهبط إلى بطنِ الوادي في حرِّهِ وجدبِه، وتشتى ببطن الوادي إذا كان الشتاءُ فتهربُ مواشيهم إلى ظهر الوادي في البردِ والجدبِ، فأضرَّ ذلك بمواشيهم للابتلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتَوا عن أمرِ ربِّهم، وحملهم ذلك على عقرِ الناقة، فأجمعوا على عقرِها إلى أن قال: فانطلق قدَّاد بن سالم ومصدع بن مهرج فاستغوَيَا غُوات ثمودٍ، فاتَّبعهُم سبعةُ نفرٍ وكانوا تسعةَ رهطٍ، فانطلق قدَّاد ومصدع وأصحابُهما فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، كَمَنَ لها قداد في أصلِ صخرةٍ على طريقها، وكَمَنَ لها مصدع في أخرى، فمرَّت على مصدع فرمى سهمًا فانتظم به عضلة ساقها .. - إلى أن قال - فشدَّ على الناقة بالسيفِ فكشف عُرقوبها فخرت ورغت رغاءةً واحدة، تحذر سقبها ثم طعن في لبنِها فنحرها. وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها وطبخوه، فلمَّا رأى سقبها ذلك انطلق حتى أتى جبلاً منيعًا يُقال له (صنوى) وقيل اسمه (قاره)، وأتى صالح وقال له: أدرِك الناقة فقد عُقِرت. فأقبل وخرجوا يتلقَّونه ويعتذرون إليه؛ يا نبي الله إنَّما عقرها فلانٌ ولا ذنب لنا، فقال صالح انظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتمُوه فعسى أن يُرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه فلمَّا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في السماءِ حتى ما يناله