الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٠٩وقيل: هو أن تخضع للحقِّ وتنقادَ له وتقبله ممَّن قاله صغيرًا أوكبيرًا شريفًا أو وضيعًا حرًّا أو عبدًا ذكرًا أو غيره، نظرًا للقول لا للقائلِ فهو إنَّما يتواضع للحقِّ وينقاد له. وقيل: هو أن لا يرى لنفسه مقامًا ولا حالاً يفضل بهما غيره، ولا يرى في الخلق من هو شرٌّ منه. قال تتِمَّة: مرَّ الحسنُ بن علي بصبيان معهم كسر خبزٍ واستضافوه أدبًا معه فنزل وأكل معهم، وإن كان ذا جاهٍ وحشومة تواضعًا. ولِخَبر من دُعِي فليُجِب ولو إلى كَرَاع. ثمَّ حملهم إلى منزله وأطعمَهم وكساهُم، وقال: اليدُ أي النعمةُ لهم حيث أحسنوا أوَّلاً، وبذلوا ما أمكنهم لأنَّهم لم يجدوا غير ما أطعموني ونحن نجد أكثر منه.
قولُه: «وأنَّ العفو لا يزيدُ العبدَ إلاَّ عزًّا» .. الخ؛ قال العلقمي: قال في النهاية: العفوُ هو التجاوُزُ عن الذنب وتركُ العقاب عليه وأصلُه المحو والطمس.
قولُه: «وإنَّ الصدقةَ لا تزيد المالَ إلاَّ كثرةً» .. الخ؛ يعني أنَّ الصدقة تكون سببًا لكثرة المال، بأن يتجر فيه مثلاً فينمو، ويُنزل الله فيه البركة من حيث لا يدري صاحبه، وإن كانت تنقصه حسا. وقال العلقمي: في حديث آخر لفظُه في الجامع «ثلاثٌ أُقسِمُ عليهِم: ما نقص مال قطُّ من صدقة فتصدَّقوا، ولا عفَا رجلٌ عن مظلَمَةٍ ظُلِمَها إلاَّ زاده الله تعالى بها عزًّا فاعفوا يزدكم الله عزًّا، ولا فتح رجلٌ على نفسه باب مسألةٍ يسأل الناس إلاَّ فتح الله عليه بابَ فقرٍ» قال ما نصُّه: قولُه مَا نقص مالُ عبدٍ من صدقة؛ قال شيخنا: قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه معناه: أنَّ ابن آدم لا يضيعُ له شيءٌ، ومالم ينتفع به في دنياه انتفع به في آخرته، فالإنسانُ إذا كان له داران فحوَّل بعضَ مالِه من إحدى دارَيه إلى الأخرى لا يقال ذلك البعضُ المحوَّل نقص من ماله. وقد كان بعض السلف يقول إذا رآى السائلين: مرحبًا بمن جاء يحوِّل مالَنَا من دُنيانا لآخرتنا.