الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١١٠فهذا معنى الحديث، وليس معناه أنَّ المال لا ينقُص في الحسِّ، ولا أنَّ الله يخلف عليه لأنَّ ذلك معنى مستأنَف، وسيأتي فيه مزيدٌ في حديث «ما نقَصَت صدقةٌ من مالٍ». ولفظُه في الجامع «ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا، وما تواضَع أحدٌ لله إلاَّ رفعه». قال فيه العلقمي: قولُه «ما نقصت صدقةٌ من مال» قيل هو عائدٌ إلى الدنيا بالبركة فيه، ودفع المفسدات عنه، وقيل: إلى الآخرة بالثواب والتضعيف.
قولُه: «ما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا»؛ قيل: في الدنيا وقيل في الآخرة.
قولُه: «وما تواضعَ أحدٌ إلاَّ رفعه الله»؛ فيه القولان أيضًا. قال النووي: وقد يكون المراد الوجهين معًا في الأمور الثلاثة. وقال القرطبي: قولُُه «ما نقصت صدقةٌ من مال» فيه وجهان: أحدُهما: أنَّه بقدر ما ينقص منه يزيده الله فيه وينمِّيه ويكثره. والثاني: أنَّه وإن نقص نفسه ففي الأجر والثواب ما يَجبر ذلك النقص بإضعافه.
وقولُه: «ما زادَ اللهُ عبدًا بعفوٍ إلاَّ عزًّا»؛ فيه أيضًا وجهان؛ أحدهما: أنَّه على ظاهره فإنَّ من عُرف بالصفح والعفو زاد وعظم في القلوب. والثاني: أن يكون أجرُه وثوابُه وجاهُه وعزُّه في الآخرة أكثر. وقولُه: «ماتواضع أحدٌ لله إلاَّ رفعه الله»؛ التواضُع الانكسارُ والتذلُّل ونقيضه الكبر والترفع. والتواضع يقتضي متواضَعا له فإنَّ المتواضَعَ له هو الله أو من أمر الله بالتواضُع له كالرسول والإمام والحاكم والعالم والوالد، فهو التواضُع الواجب المحمود الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة. وأمَّا التواضُعُ لسائر الخلق فالأصلُ فيه أنَّه محمودٌ ومندوب إليه ومرغَّبٌ فيه إذا قُصِد به وجه الله، ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب وطيَّب ذكرَه في الأفواه ورفع درجته في الآخرة.