حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١١٢

وقال القرطبي: شهادةُ الزور هي الشهادةُ بالكذبِ ليتوصَّل بها إلى الباطل من إتلاف نفسٍ أو أخذِ مالٍ أو تحليلِ حرامٍ أو تحريم حلالٍ، فلا شيء من الكبائر أعظم ضررًا منها ولا أكثر فسادًا بعد الشرك بالله.

وزعم بعضُهم أنَّ المراد بشاهدة بالزور في هذا الحديث الكفر، فإنَّ الكافر شاهدٌ بالزور، وهو ضعيف. وقيل: المرادُ من يستحلُّ شهادة الزور وهو بعيدٌ والله أعلم. وقال في الديوان بعد قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الاَوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:30] فذكروا - والله أعلم - أنَّ أعظم الكبائر الشركُ بالله وعقوقُ الوالدين وقولُ الزور. وقيل أيضًا: شاهدُ الزور قاتل ثلاثة؛ قتَلَ نفسَه وقتَل الذي شهَدَ له بالزور وقتَل الذي شهَدَ عليه الخ.

قولُه: «ثلاثةٌ لا يكلِّمُهُم اللهُ يومَ القيامةِ» .. الحديث؛ تقدَّم عليه الكلام في أوَّل الجزء الثالث إلاَّ قولُه «لا يكلِّمُهم الله» فإنَّ الرواية هناك «لا ينظر الله إليهم». قال العلقمي: قال شيخُ شيوخِنا قال النووي: قيل معنى لا يكلِّمهم تكليمَ رضى عنهم بإظهار الرضا بل بكلام يدلُّ على السخط. أقول: يعني كقولِه تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المومنون:108]، وقيل المرادُ أنَّه يُعرِض عنهم، وقيل لا يكلِّمُهم كلامًا يسرُّهم، وقيل لا يُرسِل إليهم ملائكةً بالتحيَّة .. الخ.

قولُه: «خَصلَتَان من حفظهُمَا»؛ أي حفظ نفسه من الوقوع فيهما «حفَظَ الله صومَه: الغِيبة والكذب» الغيبة بكسر الغين، والمرادُ بها المحرمة وهي غيبةُ المسلم، وهو أن تذكره بما يُبغِضُه مطلقًا كان فيه أولم يكن، حاضرًا كان أو غائبا، كما يؤخذ من تبيين أفعال العباد ومثل الغيبة الكذب وسائر الكبائر.

١٬٧٢٨ / ١٬٩٦٦