الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٢٩روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: كان رجلٌ يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحملُ الأسارى من مكَّة حتى يأتي بهم المدينة وكانت بمكَّة بغيٌّ يقال لها عِناق وكانت صديقةً له في الجاهلية، فلمَّا أتى مكَّة دعته إلى نفسِها فقال مرثد: إنَّ الله حرَّم الزنا، فقالت: فانكَحني، فقال: حتى أسالَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ اَوْ مُشْرِكٌ﴾، فدعاني وقرأها عليَّ، وقال لي: لا تنكَحها. فعلى قول هؤلاء كان التحريمُ خاصًّا في حقِّ أولئك دون سائر الناس. زيادة: أقولُ هذا باطلٌ بل ذلك عامٌّ في جميع الناس لأنَّ العبرة بعمومِ اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو معلومٌ عندنا.
قال: وقال قومٌ المرادُ من النكاحِ هو الجماعُ، ومعناه: الزاني لا يزني إلاَّ بزانية أو مُشركة، والزانيةُ لا تزني إلاَّ بزانٍ أو مشرك، وهو قول سعيد بن جبير والضحَّاك بن مزاحم. ورواية الوالي عن ابن عبَّاس قال زيد بن هارون: إن جامَعَها وهو مستحِلٌّ فهو مُشرك وإن جامعَها وهو مُحرِمٌ فهو زانٍ. وكان ابن مسعود حرَّم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوَّج الزاني الزانية فهُما زانيان أبدًا. وقال الحسنُ: الزاني المجلودُ لا ينكح إلاَّ زانيةً مجلودة، والزانية المجلودةُ لا ينكِحُها إلاَّ زانٍ مجلود. وقال سعيدُ بن المسيِّب وجماعة: إنَّ حكم الآية منسوخٌ وكان نكاح الزانية حرامًا بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الاَيَامَى مِنكُمْ﴾ [النور:32]، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين الخ. لكنَّه كذب وافترى في التحليل بهذه الآية، لأنَّ العامَّ والخاص لا تنافي بينهما حتى يقع النسخ، فإنَّ المراد من الأيامى غير الزواني عملاً بالآيتين، وحاشا لله في حكمته أن يأمر بنكاح الزواني بعد قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَالِكَ عَلَى الْمُومِنِينَ﴾، والله أعلم.
قولُه: «إلاَّ أنَّه نُسِخ منه المشركُ والمشرِكةُ»؛