الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٣٧وقال في بيَّت: وبيَّت أمرًا أي: دبَّره ليلاً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ الخ [النساء:108] ففي هذا دليلٌ لقول أصحابنا أنه لا يجوز صيام فرضٍ ولا نفلٍ إلاَّ بتبييت النيَّة من الليل قبل طلوع الفجر وبه قال مالك. وذهب الشافعي إلى إجازتها بعد الفجر لصوم النفل دون الفرض. وذهب أبو حنيفة إلى جوازها بعد الفجر في كل فرض متعيِّن وقته مثل رمضان أو نذر أيام معدودة.
قولُه: «أخوَفُ ما أخاف على أمَّتي الشهوة الخفية» .. ؛ الحديث استدلَّ به في القواعد لما ذهب إليه أصحابُنا من أنَّ من عزم عليه في النهار في صوم التطوُّع فأفطَر يقضي يومًا مكانه وهو مذهب ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك وأبوحنيفة. وكذلك كلُّ تطوع أفسده بعد ما دخل فيه من صلاةٍ أو حجٍّ فإنَّه يجب عليه قضاؤُه عند أصحابنا. وذهب بعضُهم إلى أنَّه لا قضاء عليه لأنَّ الله أعدلُ من أن يؤاخذ أحدًا بما لم يفترض عليه. قال في القواعد: وزعم ابن رشد من فقهاء قومنا أنَّ من دخل في الحجِّ والعمرة تطوُّعًا ثم أفسده أنَّ عليه القضاء. وأنَّهم أجمعوا على أنَّ من خرج من صلاة التطوُّع أنَّه ليس عليه قضاء. فتردَّد الصومُ بين الصلاة والحجِّ فمن شبَّهَهُ بالحجِّ قال عليه القضاء، ومن شبَّهَه بالصلاة قال لا قضاء عليه. والصحيحُ عندنا أنَّ كلَّ تطوُّع أفسده بعد الدخول فيه أنَّ عليه قضاء. وسبب الخلاف أيضًا اختلاف الأحاديث في ذلك. ووافق أصحابنا على ذلك أبو حنيفة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:33]. قال في القواعد: وذُكر عن سعيد بن جبير أنَّه دعي إلى طعامٍ فقيل له عزمتُ عليك إلاَّ أفطرتَ، فقال لإن تختلِفُ الخناجر في بطني أحبُّ إليَّ من أن أفطر.