حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٤٤

إنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”سبابُ المسلم فسوقٌ وقتالُه كفرٌ“ .. الخ. وكتب ابن حجر على قول ابن أبي مليكة: ”أنَّه أدرك ثلاثين من أصحاب النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم“ .. الخ ما نصُّه: وقد جزم بأنَّهم كانوا يخافون النفاق من الأعمال ولم ينقل عن غيرهم خلافُ ذلك فكأنَّه إجماعٌ، وذلك لأنَّ المؤمنَ قد يعرِضُ له في عمَلِه ما يشوبُه ممَّا يُخالف الإخلاص. ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعُهُ منهم، فإنَّ ذلك على سبيل المبالغة في الورع والتقوى رضي الله عنهم. وقال ابن بطال: إنَّما خافوا لأنَّهم طالت أعمارُهم حتى رأوا من التغيير ما لم يعهَدُوه ولم يقدِرُوا على إنكارِهم فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت. قال قولُه: ”ما منهم أحدٌ يقول إنَّه على إيمانِ جبريل وميكائيل“ أي لا يجزم أحدٌ منهم بعدم عرُوضِ النفاق له كما يجزم بذلك في إيمان جبريل .. الخ.

قولُه: «قال أن تتكلَّم بالإسلامِ ولا تعمَلَ به»؛ هذا يدلُّ لما اختاره الشيخ إسماعيل رحمه الله حيث قال: فمن أثبتَ النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال فهو أقربُ إلى الحجَّة والمحجَّة إن شاء الله لأنَّهم استدلُّوا بظاهر هذه الآية: قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ … الآية [النساء:88] قال: واستدلَّ من شرَّكهم بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ﴾ … الآية [التوبة:75]، إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمُو﴾ … الآية [التوبة:77]. إلى أن قال: والذين قَضَوا بأنَّ النفاق في الضمير تعسَّفُوا لأنَّهم لا يصلُون إلى الاعتقادات إلاَّ بنصوص الشارع، والذين قَضَوا بهذا قد أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشرك، لكنَّهم هدمُوا قاعدة الخوفِ وسهَّلوا الطريق إلى الجنة. والذين قالوا إنَّه في الأفعال عظَّمُوا أسباب الخوف فهُم أحزَمُ، وهو الصحيحُ إن شاء الله.

١٬٧٦٠ / ١٬٩٦٦