الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٤٥ولا يستحيل تصرُّفُه في الوجهين جميعًا، وقد استفاض الحديث بذكر النفاق في الأقوال والأفعال كقولِه عليه الصلاة والسلام: ”أربعٌ من كنَّ فيه فهو منافقٌ حقًّا وإن صام وصلَّى وزعم أنَّهُ مسلمٌ“، ”من إذا حدَّثَ كذب، وإذ أؤتُمِن خان، وإذا وَعَدَ أخلف، وإذا خاصَمَ فَجَر“، وهو حديث صحيح عند الفريقين. وقال عليه الصلاة والسلام: ”أكثرُ منافِقِي هذِّه الأمَّة قُرَّاؤُها“ إلى آخر ما أطال فيه رحمه الله.
قولُه: «أولئك كانَ ذنبُهُم يومئذٍ مغفورًا وحسناتُهُم مقبولة»؛ يُتأمل ما معنى هذا الكلام مع قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُو خَادِعُهُم﴾ .. الآية [النساء:142]، وقولِه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرَكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ .. الآية [النساء:145] اللَّهم إلاَّ أن يُقال المرادُ أنَّ أولئك منهُم التائبُون لقولِه تعالَى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ﴾ .. الآية [النساء:146]، بخلاف المنافقين الذين بعد زمانِه صلَّى الله عليه وسلَّم فإن غالبهم لا يتوبُون بل يعتقدُون ضلالَتَهُم دينًا كما هو معلومٌ، فصاروا أشدَّ من هذه الجهة. ولأنَّ أولئك إذا تابوا من نِفاقِهم غفَر الله ذنوبهم وتقبَّل منهم لأنَّ ذنبهم إنَّما كان بينَهُم وبين الله بخلافِ المنافقين بعد ذلك فإنَّ غالِبَهُم غارقٌ في تَبَاعات المسلمين ولا تنفع التوبةُ من غير ردِّ المظالم، والله أعلمُ بمرادِه رحمه الله.
قولُه: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه فهو منافقٌ حقًّا» .. إلخ؛ قال البخاري: بابُ علامةِ المنافق … إلى أن قال: عن أبي هريرة عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”آيةُ المنافقِ ثلاثٌ إذا حدَّث كذب، وإذا وَعَد أخلف، وإذا أؤتُمِن خان“. إلى أن قال: عن عبد الله بن عمر أنَّ النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”أربعٌ من كنَّ فيه كانَ منافقًا خالصًا، ومن كانت فيهِ خصلةٌ منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَها إذا أؤتُمِنَ خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهَدَ غَدَر، وإذا خاصَم فَجَر“.