حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٥٦

والظاهر أنَّ من أجازه يرى أنَّه لا ضرر في ذلك لتعلُّق الضمان بصاحبها، واللَّبنُ على حاله من الإباحة، ومن تورَّع عن ذلك يرى أنَّ ما جرَّ الحرام حرامٌ، والله أعلم.

قولُه: «إذا ظهرت البدع في أمَّتي» … الحديث؛ لفظُه في الجامع: ”إذا ظهرت البدعُ ولعَنَ آخرُ هذه الأمَّة أوَّلَها فمن كان عنده علمٌ فلينشُره، فإنَّ كاتم العلم يومئذٍ ككاتم ما أنزل الله على محمَّد“. وفيه حديثٌ آخر: ”أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعةٍ حتى يدع بدعته“. قال الشارح: قال شيخنا: البدعةُ ما لم يكن في زمانه صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال في النهاية: البدعةُ بدعتان: بدعةُ هوى وبدعة ضلال، وكلُّ من كان فيه خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيَّز الذم والإنكار، وما كان واقعًا تحت عموم ما ندب الله إليه أو حضَّ عليه أو رسولُه فهو في حيِّز المدح، وما لم يكن له مثال كنوعٍ من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الأفعال المحمودة. وقال شيخ شيوخنا: البدعة أصلُها على غير مثال وتطلق في الشرع على مقابلة السنَّة فتكون مذمومة، وإنَّها إن كانت ممَّا يندرج تحت مستقبح في الشرع فهذه مستقبحة، وإن كانت ممَّا يندرج تحت مُستحسن في الشرع فهي حسنةٌ، وإلاَّ فهي من أقسام المباح. قال: قلت وهي معنى كلام صاحب النهاية. وقال ولي الله النووي: البِدعةُ بكسر الباء في الشرع هي إحداثُ ما لم يكن في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهي منقسمة إلى حسنةٍ وقبيحة. قال: وقال ابن عبد السلام في آخر القواعد: البدعةُ منقسمة إلى واجبة ومحرَّمة ومندوبة ومكروهة ومباحة. قال: والطريق في ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبةٌ، أو في قواعد التحريم فهي محرَّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباحة. وللبدع الواجبة أمثلةٌ منها: الاشتغال بعلم النحو الذي يُفهم به كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك واجبٌ لأنَّ حفظ الشريعة فرضُ كفاية فيما زاد على المتعين ولا يتأتى حفظها إلاَّ بذلك، وما لا يتمُّ الواجبُ إلاَّ به فهو واجب.

١٬٧٧٢ / ١٬٩٦٦