حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٦٩

قانون الشرع يحتاج إلى اكتسابٍ ونيَّة وعلم، فهو من الإيمان بهذا لكونه باعثًا على أعمال البِرِّ ومانعًا من المعاصي. ثم قال: قال الراغب: الحياءُ انقباضُ النفس عن القبيح وهو من خواصِّ الإنسان ليرتَدِعَ عن ارتكاب كلِّ ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة. وهو مركَّبٌ من خيرٍ وعِفَّة، ولذلك لا يكونُ المستحي فاسقًا، وقلَّ ما يكونُ الشجاعُ مستحِيًا. وقد يكون لمطلق الانقياضِ كما في بعض الصبيان. اهـ. ثم قال: وقال الحليمي: حقيقةُ الحياءِ خوفُ الذمِّ بنسبة الشرِّ إليه. وقال غيره: فإن كان في مُحرَّمٍ فهو واجبٌ، وإن كان في مكروهٍ فهو مندُوبٌ، وإن كان في مُباحٍ فهو العُرفِيُّ، وهو المراد بقوله: ”الحياءُ لا يأتي إلاَّ بخير“.

ويجمع كلِّ ذلك على أنَّ المباح إنَّما هو يقع على وفق الشرع إثباتًا ونفيًا. وجاء عن بعض السَّلف: رأيتُ المعاصي ندالةً، فتركتُها مروءَةً، فصارت ديانَةً. وقد يتولَّد الحياءُ من الله تعالى من التقلُّب في نِعَمِه فيستحي العاقلُ أن يستعين بها على معصِيَتِه. وقد قال بعض السلف: خَفِ الله على قدر قُدرَتِه عليك، واستحي منه على قدر قُرْبِهِ منكَ. ثم قال بعد ذلك في قولِه: «الحياءُ من الإيمان» قال الدميري: إنَّما جعله بعض الإيمان لأنَّ الإيمانَ ينقسمُ إلى ائتمارٍ بما أمر اللهُ وانتهاءٍ عمَّا نهى الله عنه، فإذا حصلَ الانتهاءُ بالحياءِ كانَ بعض الإيمان. وقال الحليمي: الحياءُ من الله طريقٌ إلى كلِّ طاعة، وتركُ كلِّ معصيةٍ فيفوز صاحبه بكمال الإيمان، ويصحُّ بذلك قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: ”الحياء من الإيمان“. وروي أنَّه قال: ”قلَّةُ الحياءِ كُفرٌ“، أي ربَّما أدَّى إليه. ويدخل في جملة الحياءِ استحياءُ الناس بعضهم من بعضٍ، أمَّا في حقوق الله فكما في المحافظة على حضورِ الجماعاتِ فقد يكون الحاملُ عليه الحياءُ من الناس لخوفِ ذمِّ الجيران فيلازِمُ الجماعة ليذكر عندهم بالخير لا بالشرِّ وهذا رياءٌ، أمَّا إذا كان حياؤُه من الله بالحقيقة فهذا محمودٌ. وأمَّا الحياءُ في حقوقِ الناس فكَحيَاءِ

١٬٧٨٥ / ١٬٩٦٦