حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٧٩

وفي الحديث قصةٌ مرفوعة وأخرى موقوفة، أخرجه أحمد وصححه الحاكم. وحديث عائشة مرفوعا: ”أقيلُوا ذوي الهيئاتِ زَلاَّتِهم إلاَّ في الحدود“، أخرجه أبوداود. ويُستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير. وقد نقل ابن عبد البرِّ وغيره فيه الاتفاق، ويدخل فيه سائر الأحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم وهي محمولةٌ على ما لم يبلغ الإمام.

ثم تكلَّم على المرأة المخزومية ممَّا يطول ذكرُه من بيان اسمْها ونَسبِها والخلافِ فيما سرقت وأنَّها قطعت يدها ثم تابت وحسنت توبتُها فتزوَّجت، وكانت تأتي إلى عائشة فترفع حاجتها إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فتكلَّم على الحديث بما يطول ذكره، ثم قال: وفي الحديث من الفوائد منع الشفاعة في الحدود، وقد تقدَّمت في الترجمة الدلالةُ على تقييد المنعِ بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماءُ في ذلك: فقال أبوعمرو بن عبد البرِّ لا أعلم خلافًا أنَّ الشفاعة في ذوي الذنوب حسنةٌ جميلةٌ ما لم تبلغ السلطان، وأنَّ على السلطان أن يُقيمها إذا بلَغَته. وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنَّه فرَّق بين من عرف بأذى الناس ومن لم يُعرف؛ فقال: لا يُشفَع للأوَّل مطلقًا سواءٌ بلغ الإمامَ أم لا، وأمَّا من لم يُعرف بذلك فلا بأس أن يُشفَع له ما لم يبلغ الإمام. وتمسَّك بحديثِ الباب من أوجب إقامة الحدِّ على القاذف إذا بلغ الإمام ولو عفَّ المقذوفُ، وهو قولُ الحنفيَّة والثوري والأوزاعي. وقال مالك والشافعي وأبو يوسف: يجوزُ العفوُ مطلقًا ويدرأ بذلك الحد، لأنَّ الإمام لو حدَّهُ بعد عفو المقذوف لجاز أن يقيم البيِّنَة بصدق القاذف فكانت تلك شبهةٌ قويَّة. وفيه دخول النساء مع الرجال في حدِّ السرقة. وفيه قبولُ توبة السارق ومنقبة لأسامة. وفيه ما يدلُّ على أن فاطمة عليها السلام عند أبيها صلَّى الله عليه وسلَّم في أعظم المنازل فإنَّ في القصة إشارة إلى أنَّها الغاية في ذلك عنده، إلى أن قال:

١٬٧٩٥ / ١٬٩٦٦