حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٨٠

ولا يؤخذ منه أنَّها أفضل من عائشة، لأنَّ من جملة ما تقدَّم من المناسبة كون اسم صاحبة القصَّة وافق اسمَها، ولا ينفي المساواة. وفيه تركُ المحاباة في إقامة الحدِّ على من وجب عليه، ولو كان ولدًا أو قريبًا أو كبير القدر، والتشديد في ذلك والإنكار على من رخَّص فيه أو تعرَّض للشفاعة فيمن وجب عليه.

وفيه جوازُ ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل ومراتبُ ذلك مختلفةٌ. وفيه جواز التوجُّع لمن أقيم عليه الحدُّ بعد إقامته عليه. وقد حكى ابن الكلبي في قصَّة أم عمرو بنت سفيان أن امرأة أسيد بن حضير آوتها بعد أن قُطِعت وصَنَعت لها طعامًا، وأن أُسيدا ذكر ذلك للنبيءِ صلَّى الله عليه وسلَّم كالمنكر على امرأته فقال: ”رحِمَتها رحِمَها الله تعالى“. وفيه الاعتبارُ بأحوال من مضى من الأمَم، لا سيما من خالف أمر الشرع وتمسَّك به من قال إنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا، لأنَّ فيه إشارة إلى تحذيرنا من فعل الشيءِ الذي جرَّ الهلاك إلى الذين من قبلِنا لئلاَّ نهلَك كما هلكوا، وفيه نظر، وإنما يتمُّ أن لولم يرد قطعُ السارق في شرعِنا، وأمَّا اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعي أصلاً.

قولُه: «لعن الله قومًا اتَّخذوا من دون الله قبورَ أنبيائِهِم مساجِد»، الروايةُ في البخاري بعد ذكر الإسناد عن عائشة عن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال في مرضه الذي مات فيه: ”لعن الله اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد“، ولولا ذلك لأُبرِزَ قبرُه غير أنِّي أخشى أن يُتَّخذَ مسجدًا. وهي أظهر من رواية المصنِّف لأنَّ الذي يُتَّخذ من دون الله يكون إلهًا، وهم لم يتخذوهًا آلهة إنَّما اتخذوها موضعًا للصلاة تقرُّبًا إلى الله على زعمهم، اللهم إلاَّ أن يُقال إنَّهم لما اتخذوها مساجد فقد عظَّموها في العبادة، وذلك اتخاذ آلهة من دون الله لأنَّهم تقرَّبوا بعبادتها إلى الله كما تقرَّب المشركون بعبادة أصنامهم إلى الله، وذلك من الشرك، لأنَّ تعظيم الأنبياء عليهم السلام إنما بقبول ما ورد على لسانهم لا بالعبادة في قبورهم.

١٬٧٩٦ / ١٬٩٦٦