الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٩٢قولُه: «من قبل الله منه حسنةً عصمه الله آخر الأبد»؛ الظاهر والله أعلم أن المراد بعصمته آخر الأبد أنَّه لا يموت إلاَّ على الوفاء بدينِه، وأنَّه يتقبَّل منه جميع حسناته، أو أنَّه يعصمه من العذاب ولا يؤاخذه بذنبٍ صدر منه. وليس المرادُ أنَّه لا يصدر منه أيَّ ذنبٍ، لأنَّ العصمة بهذا المعنى إنَّما هي للملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام، وأمَّا غيرُهم من أهل الجنة فتصدُر منهم، إلاَّ أنَّهم يموتون على التوبة منها. وقد ذكر أصحابُنا حكم المنصوص في الخير إذا فعل كبيرةً كما هو معلومٌ فأجازوا صدور الكبيرة من المنصوص عليه في الخير، مع أنَّه من المعلوم أنه تُقبل منه جميع حسناته التي قبل الذنب وبعده، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّنْ شَيْءٍ﴾ [الطور:21]، أي ما نقصناهم. والحاصلُ أنَّ من تقبَّل الله منه شيئًا لا يؤاخذه بشيءٍ في الآخرة. قال في السؤالات: ويجوز أن يستُر الله على عبده ذنبًا في الدنيا ويستُرَه في الآخرة، ويجوزُ أن يؤاخذه به في الدنيا ويؤاخذه في الآخرة، ويجوز أن يستُر عليه في الدنيا ويُظهِر عليه في الآخرة، ويجوز أن يؤاخذه في الدنيا ويستُر عليه فى الآخرة، ويجوز أن يستُرَه عليه في الدنيا والآخرة، وأمَّا أن يستُره عليه في الآخرة ويؤاخِذَه عليه في الآخرة فلا يجوز ذلك، وأمَّا أن يؤاخِذه بذنبٍ ويغفر له ذنبًا آخر فيها قولان؛ وذلك في الدنيا، وأمَّا في الآخرة فلا، وأمَّا القبول إن قبل الله منه شيئًا فقد زالت المؤاخذة، وإن كانت المؤاخذةُ فقد زال القبول. وقولُه: ”وأمَّا في الآخرة فلا“ يعني لقوله تعالى حكايةً عن المجرمين: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً اِلآَّ أَحْصَاهَا﴾ الآية [الكهف:49].
قولُه: «كتب الله له حسنةً ومن كتب الله له حسنةً أدخلَه الجنَّة»؛ لعل المراد - والله أعلم - كتبها له مقبولةً وإلاَّ فالحفظة يكتبون جميع أفعال العباد، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُم لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:10،11،12]، وقولِه: