حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٩٦

ومن المعلوم أنَّ التائب من الأفعال السابقة كما أمره الله لا يكون إلاَّ وليًّا من أوليائه. والحاصلُ أنَّ الرجل الذي عارض جابرًا رحمه الله بقولِه: ”يا أبا الشعثاء يزني وهو مؤمنٌ“ أخطأ، قبَّحهُ الله، في جواز الزنا مع الاتصاف بالإيمان في تلك الحالة. وأمَّا لو كان المعنى يجوزُ أن يزني وهو مؤمنٌ عند الله لأنَّه لا بد أن يتوب لم يرد عليه شيءٌ، والله أعلم.

قولُه: «﴿إنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:38]»؛ قال البيضاوي في قراءة من قرأ ﴿يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: غائلة المشركين. وقرأ نافع ابن عامر والكوفيُّون ﴿يُدَافِعُ﴾ أي يُبالِغ في الدفع مبالغةَ من يبالغ فيه. والظاهر - والله أعلم- أنَّ مراد جابر رحمه الله بسوقِ الآية الاستدلالُ بها على مشروعيَّة حدِّ القذف، والله أعلم.

قولُه: «مَن أَشَدُّ الناسِ بَلاءً؟ قال الأنبياء» … الخ؛ ذكر فيه في الجامع روايات متعدِّدة منها: ”أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثُمَّ الأمثل فالأمثل، يُبتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دينِه فإن كان في دينِه صلبًا اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينِه رقَّة ابتُلِيَ على قَدَرِ دينه، فما يبرح البلاءُ بالعبدِ حتى يترُكَه يمشي على الأرض وما عليه خطيئةٌ“. ومنها: ”أشدُّ الناس بلاءً في الدنيا نبىءٌ أو صفِيٌّ“، ومنها: ”أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الصالحون ثم الأمثلُ فالأمثل“، ومنها: ”أشدُّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثمَّ الصالحون، لقد كان أحدُهم يُبتَلى بالفقر حتى ما يجدُ إلاَّ العباءةَ يجزئُها أي يقطعها فيلبسُها، ويبتلى بالقمَّل حتى يقتُلَه، ولأحدُهم كان أشدَّ فرحًا بالبلاء من أحدكُم بالعطاء“. قال الشارح بعد كلام على أنَّ الأمثل بمعنى الأفضل ما نصُّه: وصريحُ الحديث أنَّ أشدَّ الناس بلاءً الأنبياءُ ويلحق بهم الأولياء لقُربِهِم منهم، وإن كانت درجتُهم منحطَّة عنهم.

١٬٨١٢ / ١٬٩٦٦