الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٩٧قال شيخ شيوخنا: والسرُّ فيه أنَّ البلاء في مقابلة النِّعم فمن كانت نعمةُ الله عليه أكثر كان بلاؤُه أشدُّ، ومن ثََمَّ ضُوعِف حدُّ الحر على العبد، وقيل لأمهات المؤمنين: ﴿مَن يَّاتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة يُّضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:30]، قال ابن اسحاق: وفي الحديث دلالةٌ أنَّ القوي يحمل ما حمل والضعيف يُرفق به إلاَّ أنَّه كلَّما قوِيت المعرفة بالمبتلِي هان البلاءُ. ومنهم من ينظر إلى أجرِ البلاء فيهونُ عليه البلاء، وأعلى من ذلك درجةً من يرى أنَّ هذا تصرُّف المالك في مُلكِه فيُسلِم ولا يعترض، وأرفع منه من شغلتهُ المحبَّة عن طلب رفع البلاء، وأنهى المراتب من يتلذَّذ به لأنَّه عن اختياره نشأ.
وقال الدميري: قد يجهل بعض الناس فيظن أنَّ شدَّة البلاء وكثرتَه إنَّما تنزل بالعبد لهوانِه، وهذا لا يقوله إلاَّ من أعمى الله قلبَه، بل العبدُ يُبتَلَى على حسب دينِه كما في حديث الباب. قال سفيان الثوري: ليس بفقيهٍ من لم يَعُد البلاء نعمةً والرخاءَ معصية، انتهى ما قال. قال الدميري أيضًا: وقد ابتُلي خلقٌ كثيرٌ من أولياء الله بأنواعٍ من الأذى فبعضُهم ضُرب وبعضُهم حُبِس وبعضُهم نُفي وبعضُهم قُتل مظلومًا شهيدًا فعُدَّ منهم على مُعتَقده عثمان وعليًّا وولده الحسين، وترك عمر رضي الله عنه مع أنَّه أولى منهم بهذا. قال: وكذلك عبد الله بن الزبير قُتل مظلومًا شهيدًا قتَلَه الحجَّاج وصلَبَه بمكَّة وكذلك قتل سعيد بن جبير وكان من سادات التابعين. قال: في جامعه أحصى من قتله الحجَّاجُ بن يوسف صبرًا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفًا. وهذا سعيدُ بن المسيِّب وهو سيِّد التابعين جُلِد بالسياط في أيام عبد الملك بن مروان وطافوا به في تُبَّان شعرٍ وعزَّرُوه وحبسوه ومنعوا الناس عن مجالسته. والإمامُ أبو حنيفة عهد إليه بالقضاء فلم يقبل وضُرِب وحُبِس ومات في السجن. والإمام مالك بن أنس جرَّدُوه وضُرب بالسياط وجُبذت يدُه حتى تخلَّعت من كتفه، وسفيان أمر بصلبه واختفى مدَّة. وقال الأحمد بن عبد الله العجلي: أجر سفيان الثوري نفسه من جمَّال إلى مكَّة فأمره أن يعمل خبزة فلم يجيء جيِّدًا فضربه الجمَّال، فلمَّا دخلوا مكَّة دخل الجمَّال