حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٩٨

فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس فقالوا هذا سفيان الثوريُّ، فلما انفضَّ عنه الناس أتاه الجمَّال وقال: لم أعرفك يا أبا عبد الله، فقال سفيان: من يُفسِدُ طعام الناس يصيبُه أكثر من هذا.

والإمامُ أحمد امتُحِن بمحنته المشهورة على أنَّ يقول: ”القرآنُ مخلوقٌ“ فلم يقُل، بل قال: ”القرآنُ كلامُ الله منزَّل غير مخلوق“، فضُرب بالسياط حتى غشي عليه، ثم قُطع بعد ذلك من لحمه بالسكين وهو في جميع ذلك صابرٌ. وقد ضُرب في محنةِ القول بخلقِ القرآن جماعةٌ من العلماء والأخيار، وقُيِّدوا وحبُسوا فمنهم من مات في قيوده ودُفن بها، إلى آخر ما أطال فيه. لكن في قول ابن حنبل ”منزَّل غير مخلوق“ جمعٌ بين متنافيين فإنَّ التنزيل لا شكَّ أنَّه صفةٌ تقتضي الحدوث كما قال الدماميني في قوله تعالى: ﴿إنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف:2] ردًّا لاعتراض من اعترض على من مثَّل للحال التي يقتضي عاملها تجدُّد صاحبها، لا شكَّ أن الإنزال صفة تقتضي الحدوث، فليُراجَع. وإنَّما قال الإمام ابن حنبل ذلك لأنَّه يرى أنَّ الألفاظ قديمة أيضًا جهلاً منه أو عنادًا كما قال التفتازاني، أقول ولعلَّه لذلك فُعِل به ما فُعِل لأنَّه لا يُعقل كون الشيء منزَّلاً غير مخلوق، والله أعلم. قال الشارح: والإمام أبو عبد الله البخاري تُعصِّب عليه ونُفي من بلده بُخارا، وكان يقول: ”اللهمَّ قد ضاقت عليَّ الأرضُ بما رحُبت فاقبضني إليك“، فما جاء عليه شهرٌ منذ قال هذا الكلام حتى مات. فائدة: ذكر ابن عطيَّة في تفسير سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الاَنبِئَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [البقرة:112]، عن ابن عبَّاس وغيره أنَّهم قالوا لم يقتل نبيءٌ قطُّ من الأنبياء إلاَّ من لم يومر، وكلُّ من أمِر بالقتال نُصِر. نقله الدميري. انتهى. وكتب على قوله: ”إن كان في دينه صلبًا“ ما نصُّه: قال في المصباح: وصلُبَ الشيءُ بالضمِّ صلابةً: اشتدَّ وقوي، فهو صلبٌ. ومكان صلبٌ غليظ شديد، وكتب على قوله: وإن كان في دينه رقَّة، أي: ضعفٌ ولينٌ.

قولُه: «لا يتمنَّى أحدُكُم الموتَ، ولا يدعُ بِه» .. إلخ؛ الرواية في الجامع: ”لا يتمنَّى أحدكم الموت إمَّا محسنًا فلعلَّةه يزداد، وإمَّا مسيئًا فلعلَّه يَستَعتِبُ“.

١٬٨١٤ / ١٬٩٦٦