الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٩٩قال الشارح: قولُه: لا يتمنَّى كذا: للأكثر بلفظ النفي والمراد النهيُ، وأشبعت الفتحة، وللكشميهني ”لا يتمنَّينَّ“ بزيادة نون التوكيد. وفي رواية همام: ”لا يتمنَّ أحدُكُم الموتَ ولا يَدعُ به من قبل أن يأتِيَه“، فجمع في النهي عن ذلك بين القصد والنطق. وفي قوله: ”من قبل أن يأتِيه“ إشارة إلى الزجر عن كراهية إذا حضر لئلاَّ يدخل في كره لقاء الله. وحكمة النهي في ذلك أنَّ في طلب الموت قبل حلوله نوعُ اعتراضٍ ومراغمة للقدر، وإن كانت الآجال لا تنقص ولا تزيد، فإنَّ تمنِّي الموت لا يؤثِّر في زيادتها ولا نقصها، ولكنَّه أمرٌ قد غُيِّب عنه. قال النووي: في الحديث التصريح بكراهة تمنِّي الموت لضرر نزل به من فاقةٍ أو محنةٍ بعدوٍّ ونحوه من مشاق الدنيا، فأمَّا إذا خاف ضررًا أو فتنةً في دينه فلا كراهة لمفهوم هذا الحديث، وقد فعلَته خلائق من السلف لذلك. وفيه من خالف ولم يصبر على الضرر وتمنَّى الموت لضررٍ نزل به فلقل الدعاء المذكور. قلتُ: ظاهر الحديث المنعُ مطلقًا والاقتصار على الدعاء مطلقًا، لكن الذي قال الشيخ لا بأس به لمن وقع فيه التمنِّي ليكون عونًا له على ترك التمنِّي. انتهى. ولم يتعرَّض لصفة الدعاء المذكور، ولعلَّ المراد قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا أردت فتنةً في قومٍ فتوفَّني غير مفتون“، أو الدعاء المشهور ”اللهُمَّ احيني ما كانت الحياة خيرًا لي، أمتني إذا كانت الوفاةُ خيرًا لي“، والله أعلم. وكتب على قوله في رواية الجامع: ”إمَّا محسنًا فلعلَّه يزداد، وإمَّا مسيئًا فلعلَّه يَستعتِب“، أي: يسترتضي الله بالإقلاع، والاستعتاب طلب الإعتاب، والهمزة للإزالة، أي طلب إزالة العتاب، من عاتبه: لامه، وأعتبه: أزال عتابه.
قال الكرماني: وهو ممَّا جاء على غير قياس، إذ الاستفعال إنَّما يبنى من الثلاثي لا من المزيد فيه. انتهى. وظاهر الحديث انحصار المكلف في هاتين الحالتين، وبقي قسمٌ ثالثٌ وهو أن يكون مُخلِطًا، ويستمرُّ على ذلك أو يزيد إحسانًا، أو يزيد إساءةً ويكون محسنًا فينقلب مسيئًا، أو يكون مسيئًا فيزداد إساءةً، والجواب أنَّ ذلك خرج مخرج الغالب لأنَّ الغالب حال المؤمنين ذلك، ولا سينما والمخاطَب بذلك شفاهًا الصحابةُ.