الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٠٠وقد خطر لي في معنى الحديث أنَّ فيه إشارةٌ إلى تبغيظ المحسن بإحسانه، وتحذير المسيء من إساءته، فكأنَّه يقول: من كان محسنًا فليترك تمنِّي الموت وليستمر على إحسانه، والازدياد منه، ومن كان مسيئًا فليترك تمنِّي الموت وليُقلع عن الإساءة لئلاَّ يموت على إساءته فيكون على خطر. وأمَّا من عدَّ ذلك ممَّن تضمَّنه التقسيم فيؤخذ الحكم من هاتين الحالتين، إذ لا انفكاك عن أحدهما، انتهى من الفتح.
قولُه: «مَثلُ قلبِِ المؤمن كمَثَل المرآة المتجلِّية» … إلخ؛ ذكر في الجامع في مثل المؤمن أحاديث كثيرة منها ما هو قريبٌ من هذا الحديث، ولفظُه: ”مَثلُ المؤمن كمثل النخلة إن أكلتَ أكلتَ طيِّبًا وإن وضعتَ وضعتَ طيِّبًان وإن وقعتَ على عودٍ نخرٍ لم تكسره“؛ ويعني والله أعلم بالنخلة ثمرُ النخلة. ”ومَثَلُ المؤمن كمثل سبيكة الذهب إن نفخت عليها احمرَّت، وإن وزنت لم تنقص“، ولم يكتب الشارح عليها شيئًا.
قولُه: «لا يأتيه الشيطان من وجهٍ إلاَّ أبصره»؛ هذا الحديث نظيرُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقََوا إِذَا مَسَّهُمْ طَآئِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فِإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:201]، طائفٌ أي لمَّة منه، وهو اسم فاعلٍ طاف يطوف فكأنَّها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدِر أن تؤثِّر فيه. أو من طاف به الخيال يطيف طيفًا. تذكَّروا ما أمر الله به ونهى عنه، فإذا هم مبصرون بسبب التذكُّر لمواقع الخطأ ومكائد الشيطان فيحترزون عنها ولا يتبعونها، فيها من البيضاوي.
قولُه: «الإيمانُ قيدُ الفَتْكِ، لا يَفْتِكُ مؤمِنٌ»؛ يعني أنَّ الفتك مقيَّدٌ بالإيمان، فلا يصدر الفتكُ من مؤمنٍ، فمن فتك فليس بمؤمنٍ، قال العلقمي: قال في النهاية: الفتكُ: أن يأتيَ الرجل صاحبَه وهو غرٌّ غافلٌ، فيشدَّ عليه فيقتله. والغِيلَةُ أن يخدعه ثمَّ يقتله في موضعٍ خفيٍّ. انتهى. قال في المصباح: والغِيلَة بالكسر: الاغتيالُ، يقال قتله غيلةً، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضعٍ فإذا صار إليه قتَلَه اهـ. واستدلَّ في القناطر بهذا وبالحديث المتقدِّم، أعني قوله: ”الإيمان أثبت في قلوب أهلِه من الجبال الرواسي على قرارها“، وبقول النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم