الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢١٠قال في الشفاعة: وهي حقٌّ نطق به القرآن، وذلك قولُه لنبيئِه عليه الصلاة السلام: ﴿عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودً﴾، وقال تعالى: ﴿مَن ذَا الذِي يَشْفَعُ عِندَهُ، إِلاَّ بِإِذْنِهِي﴾ [البقرة:255]، في أمثال هذه الآي كثيرةٌ. والشفاعةُ عند أصحابنا إنَّما هي للمؤمنين دون أهل الكبائر، فاستدلَّ لذلك إلى أن قال: وعند قومنا ثلاثُ شفاعاتٍ فيما وجدتُ في كتُبِهم: إحداها شفاعةُ المحشر، والثانيةُ للسَّبق إلى الجنَّة، والثالثةُ لأهل الكبائر الموحِّدين يُخرَجُون من النار عندهم. وأحاديث الشفاعة مستفيضةٌ في الكتب وصِفَتُها مشهورةٌ، تركتُ جميع ذلك مخافة التطويل. وهي عند أصحابنا في الحساب بعد طول مقامٍ على أرجُلِهم، وبعد أن بشَّر أصحابَ الإيمان وأخذُوا كُتُبَهم بأيمانهم فشفع لهم، حتى أراحهم الله من الموقف، وهي تشريفُ منازلهم وترفيعٌ لدرجاتهم، لأنَّ من أوجب له القرآن الخلودَ في النار لا شفاعةَ له، والله أعلم. وقال أيضًا في قنطرة الإيمان فيما يجب على الإنسان أن يعتقده: التاسعة الشفاعةُ وهي حقٌّ، فمن كذَّب بها فقد كذَّب القرآن، وهو المقام المحمود؛ قال الله لنبيئه عليه الصلاة والسلام: ﴿عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودً﴾، أي يحمده فيه الأوَّلون والآخرون؛ يحمده الأوَّلون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إليها أحدٌ حتى يفتحها النبيء عليه الصلاة والسلام.
ويحمده الآخرون حيث نجَّاهم الله من هَول المقام، والشفاعةُ إنَّما هي للمسلمين الذين ماتوا على الإيمان، فاستدلَّ لذلك إلى أن قال: والشفاعةُ ليست لمن استوجب العقاب فيصيرُ بها إلى الثواب ولكنَّ الشفاعةَ للمؤمنين زيادةٌ لهم في الثواب وتشريفٌ في المنازل، وبالله التوفيق. وكلامُه أيضًا في شرح النونية صريحٌ في أنَّها في المحشر. والظاهرُ أنَّها قبل الحساب ويستمرُّ حُكمُها إلى الشفاعة في زيادة الثواب وتشريف المنازل، وأنَّ ذلك كلَّه في الموقف قبل دخول الجنَّة، فلا يدخل أحدٌ الجنَّة إلاَّ وقد علم منزله الذي صار له بالعمل الصالح، ورحمة الله، وشفاعة المصطفى، وغيره ممَّن تحصل منه الشفاعة. فإذا دخل أحدٌ منزله فلا ينتقل عنه بعد ذلك، فلا منافاة