حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢١١

بين كونِها في المحشر للإراحة من الموقف، وكونِها لزيادة الثواب ورفع المنازل، فإنَّ الشفاعة عنده واحدةٌ لكنَّها تتضمَّن ذلك كلَّه، والله أعلم، وعبارتُه في الشرح المذكور بعد كلام طويل فيها تقدَّم بعضه. والشفاعة عندنا إنَّما هي في المحشر قبل دخول الكفَّار النار وهي مخزونةٌ لا يصل إليها نبيءٌ مُرسَل ولا مَلَك مقرَّبٌ حتى يفتحها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهي المقامُ المحمود الذي وعدَه الله عزَّ وجلَّ، يحمده فيه الأوَّلون والآخرون، حيث نجَّاهم من ذلك المقام. ويحمدونه بما فتح الله لهم من الشفاعة لأنَّها مخزونة حتى يفتحها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وأحاديث الشفاعة مذكورةٌ في كتاب الحديث وكتاب الضياء وغيرهما، فلا معنى لإعادتها ها هنا فبلَغَنا أنَّ الله يُشفِّع أقوياءَ المسلمين في ضُعَفائِهم، حتى قيل إنَّ الشهيد يشفع في سبعين من قرابته إذا كانوا مُتَّقين مؤمنين، وأمَّا من لقيَ الله فاجرًا فليس له شفيعٌ .. الخ.

والظاهرُ من كلامهم أوَّلا وآخرًا أنَّ المراد بالأوَّلين والآخرين الذين يحمدون النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم على الشفاعة؛ هم الملائكةُ والأنبياءُ والمسلمون، فالملائكةُ والأنبياءُ يحمدونه على ما فتح لهم من الشفاعة بعد أن كانت مخزونة، والمسلمون على تنجيتهم من ذلك المقام. وأمَّا الكفَّار فإنَّهم لا دخل لهم في حمده على الشفاعة، لأنَّ ما هُم صائرون إليه من النار أشدُّ ممَّا هم فيه من الهوان، والله أعلم. وكذلك طُلِبَت الشفاعةُ من المرسلين واحدًا بعد واحدٍ إلى أن يصلوا إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد طلبها المسلمون ليستريحوا كما ذُكر في الحديث عندنا دون الكفَّار، خلافًا لما رواه قومُنا من أنَّ أهل الموقف جميعًا يفزعون إلى من ذُكر من المرسلين. قال في المواهب وعن أبي زرعة عن أبي هريرة قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”أنا سيِّد الناس يوم القيامة، هل تدرون مِمَّ ذلك؟ يجمع الله الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ فيُبصِرُهم الناظرُ ويسمعهم الداعي، وتدنو الشمسُ فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا تَرَون إلى ما أنتم فيه؟ ألاَ تَرَون إلى ما بلغكم؟ ألاَ تنظرون من يشفَعُ لكم إلى ربكم؟ فيقول بعضُ

١٬٨٢٧ / ١٬٩٦٦