الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢١٢الناس لبعض: إئتوا أباكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدمُ أنتَ أبو البشر خلَقَك الله بيده، ونفخ فيك من روحِه، وأمر الملائكة فسجدُوا لك، وأسكَنَكَ الجنَّة ألاَ تشفع لنا إلى ربِّك ألاَ ترى إلى ما نحن فيه وما بلغنا. فقال: إنَّ ربِّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثلَه، ولا يغضب بعده مثله، وإنَّه نهاني عن الشجرة فعصيتُ، نفسي نفسي اذهبُوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوحٍ.
فيأتون نوحًا عليه السلام فيقولون: يا نوحُ أنت أوَّل الرسُل إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبدًا شكورًا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بَلَغَنا، ألاَ تشفَعُ لنا إلى ربَّك؟ فيقول إنَّ ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبلَه مثلَه، ولا يغصب بعده مثلَه، وإنَّه قد كانت لي دعوةٌ دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي .. إلى أن قال في آخر الحديث: فيأتون محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم فيقولون: يا محمَّد أنت رسولُ الله وخاتَمُ الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اشفَع لنا إلى ربِّك. فأنطَلِقُ فآتِيَ تحتَ العرش فأقَعُ ساجِدًا، ثم يفتحُ الله عليَّ من محامِدِه وحُسنِ الثناء شيئًا لم يفتَحه على أحدٍ قبلي، ثمَّ يُقال يا محمَّد ارفع رأسك واسأل تُعطَ واشفَع تُشَفَّع، فأرفع رأسي فأقول: أمَّتِي يا ربِّ، يا رب أمَّتي، فيقول: يا محمَّدُ أدخِل من أمَّتِك مَن لا حساب عليه من الباب الأوَّل من أبواب الجنَّة، وهم شُركاءُ الناس فيما سوى ذلك من الأبواب». الحديث رواه البخاري ومسلم. قال في فتح الباري وقد استشكل قولهم لنوحٍ أنت أوَّل الرسُل من أهل الأرض، فإنَّ آدم نبيءٌ مُرسَل وكذلك شيت وادريس وهم قبل نوح. مُحصَّل الأجوبة عن ذلك أنَّ الأولية مُقيَّدة بقوله أهلَ الأرض لأنَّ آدم ومن ذكر معه لم يُرسَلُوا إلى أهل الأرض .. الخ. أقول: هذا ظاهرٌ عندنا بالنسبة إلى آدم لأنَّه من أهل الكافَّة. قال: ومن الأجوبة أنَّ إرسال آدم كان إلى بنيه وهم موحِّدون ليعلِّمَهم شريعته، ونوح ٌرسالتُه كانت إلى قومٍ كفَّار يدعوهم إلى التوحيد. وذكر الغزالي في كشف علوم الآخرة أنَّ بين إتيان أهل الموقف آدم وإتيانهم نوحًا ألفَ سنةٍ، وكذا بين كلِّ نبيءٍ ونبيءٍ إلى نبيُّنا محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم.