حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢١٥

ثم قال: فإن قلتَ فأيُّ شفاعةٍ آدَّخرها صلَّى الله عليه وسلَّم لأمَّته؟ أمَّا الأولى فلا تختصُّ بهم بل هي لإراحة الجمع كلِّهم، وهي المقامُ المحمود كما تقدَّم، وكذلك باقي الشفاعات الظاهر أنَّه يُشاركهم فيها بقيَّة الأمم. فالجواب: أنَّه يحتمل أنَّ المراد الشفاعة العظمى التي للإراحة من هولِ الموقف، وهي وإن كانت غير مختصَّة بهذه الأمَّة لكنَّهم الأصلُ فيها وغيرُهم تبعٌ لهم. ولهذا كان اللفظ الأول المنقول عنه صلَّى الله عليه وسلَّم فيه أنَّه قال: ”يا ربِّ أمَّتي“، فدعا فبهم فأجيبَ، وكان غيرهم تبعًا لهم. ويُحتمل أن تكون الشفاعةُ الثانية وهي التي في إدخال قومٍ الجنَّة بغير حساب هي المختصَّة بهذه الأمَّة، فإنَّ الحديث الوارد فيها: ”يدخل من أمَّتي الجنَّة سبعون ألفا“ .. الحديث، ولم ينقل ذلك في بقيَّة الأمم. يُحتمل أن يكون المرادُ مُطلَق الشفاعة المشتركة بين الشفاعات الخمس، وكون غير هذه الأمَّة يشاركونهم فيها أو بعضهما لا ينافي في أن يكون عليه السلام آخر دعوته شفاعته لأمَّته فإنَّه لا يشفع لغيرهم من الأمم، تقدَّم مثله في الشفاعة العظمى، والله أعلم. إلى أن قال: وعن ابن عباس أن النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ”نحنُ آخر الأمم وأوَّل من يُحاسَب، يُقال أين الأمَّة الأمينة ونبيئُها؟ فنحنُ الآخرون والأوَّلون“.

إلى أن قال: في حديث آخر: ”فإذا أراد الله أن يقضيَ بين خلقِه نادى منادٍ أين محمَّد وأمَّتُه؟ فأقوم وتتبعني أمَّتي غُرًّا محجَّلِين من أثر الطهورِ“. قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”فنحن الآخرون والأوَّلون وأوَّل من يُحاسَب وتُفرِج لنا الأمم عن طريقنا وتقولُ الأمم كادت هذه الأمَّة أن تكون أنبياء كلَّها“. وقد صحَّ أن أوَّل ما يُقضى بين الناس في الدماء .. إلى آخر ما أطال فيه من ذكر الحساب وما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامة.

قولُه: «ولو استشْفَعْنا إلى ربِّنا فيُريحنا من هذا المقام» .. إلى آخر هذا الكلام؛ كالصريح في حصول التعب للمؤمنين في هذا المقام، مع أنَّ الظاهر أنَّ المسلمين لا تعبٌ عليهم أصلاً في هذا المقام ولا في غيره، إنَّما المرادُ الانتقالُ إلى منازلهم في الجنَّة وما اشتاقوا إليه من نعيمِها.

١٬٨٣١ / ١٬٩٦٦