حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢١٦

ولم يذكر الشيخ تبغورين بن عيسى في الشفاعة إلاَّ استراحة من هول الموقف، حيث قال: فإذا فرغوا من الحساب استأذن المسلمُون من يشفع لهم إلى الله أن يأذن لهم إلى منازلهم في الجنَّة فطلبوا آدم .. الخ. بل كلامُه قبل ذلك في الصراط يدلُّ على أنَّ المسلمين لا تعبٌ لهم يوم القيامة أصلاً، كما يدل عليه القرآن حيث قال في الردِّ على القوم في قولهم إنَّ الصراط كحدِّ السيف ما نصُّه: وقال أهلُ الحديث والحشوية إنَّ الصراط مضروبٌ على جسرِ جهنَّم كحدِّ السيف، فوصفوه كما يعقلونَ فيمُرُّ الناس عليه بعضُهُم كالريح القاصِف، والآخرُ كالبرق اللامع، والآخر كأسرع الدَّواب، والآخر يضبط على بطنِه، والآخر ساقطٌ في النار ..

وهذا من تزيين الشيطان لهم في أحاديثِهِم، وكيف يكونُ هذا في المسلمين بعد قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمانِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:85،86]، وقال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء:102]، أم كيف يكون المؤمن مضبطًا على بطنه، وقد قال الله في كتابه ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:62]، وما وصفهم به من الغضارة والنضرة، وليس الأمرُ على ما وَصَفَته الحشوية والحمد لله، إلى أن قال: ولكنَّ الصراط المستقيم هي دينُ الله المقيم الذي افترضه الله على عباده، والعدل الذي أنزلَه وهو دقيقٌ لا يوافق الملك ولا الهوى ولا الشهوات ولذلك يشبِّهونه بحدِّ السيف المرهَف وضبتِهِ، والشفرة الرقيقة الدقيقة فلا يميِّزها إلاَّ ذووا الحجا والنُّهى والبصيرة النافذة مع عون الله وتوفيقه .. الخ.

أقول: وممَّا يدلُّ على أنَّ المسلمين ليس عليهم شيءٌ من أهوال الآخرة وإن كانوا يشاهِدُونَها، قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَكْبَرُ﴾ [الأنبياء:103]، وقوله: ﴿الأَخِلآءُ يَوْمَئِذٍم بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ اِلاَّ الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف:67،68]، وقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:30]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:38،39]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَّوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22،23] أي منتظرة متى يُؤذَن

١٬٨٣٢ / ١٬٩٦٦