الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢١٨قال في البخاري في آخر الحديث: ”فأرفع رأسي فأحمَدُ ربِّي بتحميدٍٍ يُعلِّمنِيه ثم أشفع فيحُدُّ لي حدًّا، ثم أُخرِجُهُم من النار فأُدخِلُهم الجنَّة، ثم أعود فأقع ساجدًا مثله في الثالثة أو الرابعة حتَّى ما يبقى في النار إلاَّ من حبَسَهُ القرآن“، فكان قتادة يقول عند هذا، أي وجب عليه الخلود. قال ابن حجر في قوله: ”ثُمَّ أُخرِجُهُم من النار“ قال الداودي: كان راوي هذا الحديث ركَّب شيئًا على غير أصله، وذلك أنَّ في أوَّل الحديث ذكرُ الشفاعة في الإراحةِ من كُرَب الموقف، وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النَّار، وذلك إنَّما يكون بعد التحوُّل من الموقف، والمرور على الصراط، وسقوط من يسقط في تلك الحالة في النار، ثم تقع بعد ذلك الشفاعةُ في الإخراج، وهو إشكالٌ قويٌّ وقد أجاب عنه عيَّاض وتبعه النووي وغيره إلى آخر ما أطال فيه، ولا حاجة لنا به.
قولُه: «قال أهلُ العلم هو المقامُ المحمود» .. الخ؛ هذا هو الراجح. وذكر فيه في ”المواهب“ أربعة أقوال؛ قال: وقال ابن الجوزي الأكثرُ على أنَّ المرادَ بالمقام المحمودِ الشفاعةُ، وادَّعى الإمام فخر الدين الاتفاقَ عليه. القول الثاني قال حذيفة: يجمع الله الناس في صعيدٍ واحدٍ فلا تُكَلِّم نفسٌ، فأوَّل مدعوٍ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقول: ”لبَّيكَ وسعدَيكَ، والخيرُ في يَدَيك والشرُّ ليس إليك، والمهتدِي من هَدَيتَ، وعبدُك بين يديك وبك وإليك، ولا ملجأ منك إلاَّ إليك تباركت وتعاليت سبحان ربِّ البيت“. قال هذا هو المراد من قوله تَعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَّبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾، رواه الطبراني. إلى أن قال الراوي: والقولُ الأوَّل أولى لأنَّ سعيه في الشفاعة يُفيد إقدام الناس على حمده فيصير محمودًا، وأمَّا ما ذكر من الدعاء فلا يُفيد إلاَّ الثواب، أمَّا الحمد فلا .. إلى آخر ما أطال فيه. قال ابن حجر بعد كلام طويل على هذا الحديث ما نصُّه: قال عيَّاض استدلَّ بهذا الحديث على من جوَّز الخطايا على الأنبياء لقول كل من ذكر فيه ما ذكر. وأجاب عن أصل المسألة بأنَّه لا خلاف في عصمتهم من الكفر بعد النبوءة وكذا قبلها على الصحيح. وكذا القول في الكبيرة على التفصيل المذكور يلتحق بها ما يزري بفاعله من الصغائر.