الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢١٩وكذا القولُ في كلِّ ما يقدح في الإبلاغ من جهة القول. واختلف في الفعل فمنعَهُ بعضُهُم حتَّى في النسيان، وأجاز الجمهورُ السهو لكن لا يحصُلُ التمادي. واختلفوا فيما عدا ذلك كلِّه من الصغائر؛ فذهب جماعةٌ من أهل النظر إلى عصمتهم منها مطلقًا، وأوَّلوا الأحاديث والآيات الواردة في ذلك بضروبٍ من التأويل.
إلى أن قال: قال عيَّاض وجميع ما ذكر في حديث الباب لا يخرج عمَّا قلنا لأنَّ أكل آدم من الشجرة كان عن سهوٍ، وطلب نوحٍ نجاةَ ولدِه كان عن تأويلٍ، ومقالات إبراهيم كانت معاريضَ وأراد بها الخير، وقتيلُ موسى كان كافرًا .. كما تقدَّم بسطُ ذلك، والله أعلم. وفيه جواز إطلاق الغضب على الله، والمراد به ما يظهر من انتقامه ممَّن عصاه وما شاهده أهلُ الموقِف من الأهوال التي لم يكن مثلُها ولا يكون، كذا قرَّرَه النووي. وقال غيرُه: المراد بالغضب لازِمَهُ، وهو إرادةُ إيصالِ السوء للبعض، وقولُ آدم ومن بعده: ”نفسي نفسي“، أي نفسي هي التي تستحقُّ أن يُشفَع لها، لأنَّ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين فالمرادُ به بعض اللوازم، ويُحتمل أن يكون أحدُهما محذوفًا. وفيه تفضيلُ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم على جميع الخلق، لأنَّ الأنبياء والرسل والملائكة أفضلُ ممَّن سِِواهم، وقد ظهر فضلُه في هذا المقام عليهِم. قال القرطبي: ولولم يكن في ذلك إلاَّ الفرق بين من يقول: ”نفسي نفسي“ وبين من يقول: ”أمَّتي أمَّتي“ لكان كافيًا. وفيه تفضيلُُ الأنبياء المذكورين فيه على من لم يذكر فيه لتأهيلهم لذلك المقام العظيم دون من سواهم. وقد قيل إنَّما اختصَّ المذكورُون بذلك لمزايا أخرى لا تتعلَّق بالتفضيل. فآدم لكونه والدُ الجميع، ونوحٌ لكونه الأبَ الثاني، وإبراهيم للأمر باتِّباع ملَّتِه، وموسى لأنَّه أكثر الأنبياء تابعًا، وعيسى لأنَّه أولى الناس بنبيئنا صلَّى الله عليه وسلَّم، كما ثبت في الحديث الصحيح. ويحتمل أن يكون اختُصُّوا بذلك لأنَّهم أصحابَ شرائعٍ عُمِلَ بها مِن بين مَن ذكر أوَّلا ومن بعده.