حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

كلدغ الحيات من غير وجود الحيات، كما أن العشق إذا مات المعشوق انقلب صفة مؤذية محزنة للعاشق، ومثل عذاب القبر والتنعم فيه في حق الميت مثل لدغ الحية في حق النائم وتنعمه بوقائع جارية في نومه، ولا يرى حية حوله ولا وقائع جارية، فالعذاب والتنعم حاصلان ولكنهما غير مشاهدين في حق اليقظان، وهذا الذي قاله أصحاب الحديث في عذاب القبر ليس في الشرع ما يبطله، ولا في العقل ما يحيله، وقد روي أن النبي عليه السلام قال: “لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا منه سعد بن معاذ، ولقد ضغط ضغطة اختلفت منها أضلاعه”، وقال في ابنته زينب: “إن الله قد خفف عنها، ولقد ضغطت ضغطة سمع صوتها ما بين الخافقين”، إنها أقوال فعلى هذا يكون المستعاذ منه في عذاب القبر دوامه أو شدته أو نحو ذلك. والمناسب لكون قبر المؤمن روضة من رياض الجنة أن لا يحصل له فيه ضرر أصلا، لكن لا حظ للنظر مع وجود الأثر، فنسأل الله اللطف في القضاء ولا نسأله رده.

قال في السؤالات في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمُ، أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية [البقرة:28]، كانوا أمواتا في أصلاب ابائهم فأحياهم، ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث وهما حياتان وموتتان زيادة، وهذا التفسير يدل على أن سؤال منكر ونكير وعذاب القبر للمسلم ليس بصحيح، وهو قول جل الإباضية والشيعة، وحكى أبو عمر عن أبي الربيع أنه ندم على ذكر هذه المسألة وإثباته وحكايته في كتابه الثالث عن أبي عبد الله رحمه الله وإن كان قالها أبو عبد الله رحمه الله"، انتهى.

لكن في قوله: "وهذا التفسير يدل" إلخ، فيه تأمل من وجهين، أحدهما أن هذا التقرير يدل على أنه لا فرق في ذلك بين المسلم وغيره، والثاني أن الحياة الثانية التي للبعث هي التي يشاهدها كل أحد وتكون على رؤوس الأشهاد، وذلك لا ينافي أن تعاد الروح فيه أو في بعضه، فيكون كالنائم تصديقا للحديث، والله أعلم.

٢١٤ / ١٬٩٦٦