حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧٨

ثبوت المعنى واستمراره، ثم التعريف إما للعهد التقديري أي ذلك السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل واحد وعن من يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل:59]، قال: ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدير النكرة" انتهى.

وحكى صاحب الإقليد عن أبي حامد أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح لا يقصر عن الوجوه المتقدمة، وقال البيضاوي: "علمهم أن يفردوه صلى الله عليه وسلم بالذكر لشرفه فهو مزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم أولا؛ لأن الاهتمام بها أهم، ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم".

وقيل: السلام بمعنى السلامة كالمقام والمقامة، والسلام اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الإسلام مبالغة، والمعنى أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد، ومعنى قولنا: (السلام عليك) الدعاء أي سلمت من المكاره، وقيل: معناه (اسم السلام عليك) كأنه تبرك عليه باسم الله.

فإن قال: كيف شرع هذا اللفظ وهو خطاب بشر مع كونه منهيا عنه في الصلاة؟ فالجواب أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: "عليك أيها النبي مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق كأن يقول: السلام على النبي فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ثم إلى تحية النفس ثم إلى الصالحين؟ أجاب القرطبي بما محصله: نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي كان يعلمه للصحابة، ويحتمل أن يقال على طريق أهل العرفان: إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" انتهى.

٢٧٨ / ١٬٩٦٦