حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٣١

”ما كان يجد هذا ما يسكن به رأسه”، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة فقال: “ما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه”، رواه أحمد وفي السنن: “أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده”، فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده فإنه من الجمال الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه وهو جمال باطن، ويحب أن يرى على عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى للجمال أنزل على عباده لباسا يجمل ظواهرهم ويقوي تجمل بواطنهم، فقال تعالى: ﴿يَابَنِي ءَادَمَ قَدَ اَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَالِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:26]، إلى أن قال: وهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال والهيئة يبغض القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله.

ولكن ضل في هذا الموضع فريقان:

فريق قال: كل ما خلق الله فهو جميل، فهو يحب كل ما خلقه، ونحن نحب كل ما خلقه فلا نبغض منها شيئا قالوا: ومن رأى الكائنات منه كلها جميلة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:7]، وهؤلاء قد علموا الغيرة لله من قلوبهم، والبغض في الله، والمعاداة فيه وإنكار المنكر، وإقامة الحدود.

والفريق الثاني قالوا: قد ذم الله جمال الصور وتمام القامة والخلقة فقال عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون:4]، وفي حديث مسلم مرفوعا: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"، قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير والذهب، وآنية الذهب والفضة وذلك من أعظم جمال الدنيا، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىَ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه:131]، وفي الحديث "البذاذة من الإيمان"، وقد ذم الله المسرفين والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس.

وفضل النزاع أن يقال الجمال في الصورة واللباس والهيئة ثلاثة أنواع منها ما يحمد ومنها ما يذم ومنها ما لا يتعلق به مدح ولا ذم.

٣٣١ / ١٬٩٦٦